في
الثلاثاء 26 ربيع الثاني 1438 / 24 يناير 2017

جديد الأخبار


05-27-1430 09:22 AM

الخريطة السردية : التجربة والوعي (2)

احمد الواصل

لم يكن تاريخ الرواية حيوياً وملفتاً سوى في العقد الأخير من القرن العشرين ومطلع الواحد والعشرين.

عثرات لم تنته بين بضع روايات وعظية وذات أفكار شخصانية ثم توقف مستمر يعقبه إصدارات متفرقة . ثمة فراغ.

تاريخ طويل من الفجوات ، والإرهاصات . لا رواية أولى. ثمة محاولات عديدة. لم تكن الرواية جنساً إبداعياً مقنعاً ، في العالم العربي .

أليس يذكر أن رواية " زينب 1916" لمحمد حسين هيكل لم تعرف أو يعترف بها صاحبها إلا بعدما حولتها السينمائية والموسيقية الرائدة بهيجة حافظ إلى فيلم ناطق عام 1930.

وفي مصر – ويتواطأ تلاميذهم - لا يريدون الاعتراف برواية " الأجنحة المتكسرة" لجبران خليل جبران على أن صدورها في زمن صدور "زينب" هيكل . ألأنها قادمة من عرب المهجر أم من الغرب –أمريكا ؟.

إذن ،تاريخ الرواية العربية ملتبس . ماذا عن تاريخ الرواية السعودية ؟

طفولة المجتمع

خلال ثلاثة عقود من فترة توحيد البلاد بين عامي 1901-1932 أو بلغة المصطلح العلمي التاريخي ( حروب التأسيس والتكوين) لم تتح لكثير من الأقاليم والمناطق الهدوء والاستقرار ومن ثم مشاريع التنمية المختلفة المجالات ، وبقيت نخب قليلة تزاول الكتابة والقراءة ومنها إلى العمل الكتابي ومنها الآخر نحو الصحافة فيما يبقى الشعر عاميه وفصيحه يموج في حراك اجتماعي وسياسي بعضه متوارث وآخر وليد اللحظة من طقوس أدائية بين السمر والحرب.

الحكايات الشفوية المنقولة والمستعادة تمضي.أما الحكايات التي سجلها آخرون. كشفت عن التدوين والكتابة . فما طرحه الأنصاري(التوأمان) والجوهري (الانتقام الطبعي) والسباعي (فكرة) ومغربي (البعث) في الثلاثينيات والأربعينيات من روايات أو قصص طويلة ، تراوح بين الأفكار التقدمية والمحافظة وبين حالة من الولادات السردية المتعسرة.

وبين شخصيات كل رواية مثل فريد ورشيد "التوأمان" ، ورباب ( فكرة ) ، وأسامة الزاهر ( البعث) وبين النضج العمري طريق طويل ، وربما هو الوعي السردي ، لا بالرؤية ولا بالأسلوب والتقنية فقط، فقد انشغلت الرواية بين التقدم والواقع الحالي ، والآخر السيء والوضع السائد المريح ، وبين الآخر البعيد في دينه ودين القريب ذي الخلاص الأكيد!

برغم أن الدرس التاريخي الروائي سوف ينقي روايتي "الانتقام الطبعي ، فكرة" لتكونا من ملامح البدايات أو النشأة.

مراهقة الأقلام

لم تسعف التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المجتمع السعودي باعتبار نهوض الدولة ، وأعباء إنشاء مؤسساتها ما بين حال الضرورة والإمكان إلى أن تواكبها أو تسبقها نهضة ثقافية –برغم بعض الحالات النادرة في الصحافة والشعر. إذ دفع هذا إلى تمكين الكثير من الكوادر بفرص التعليم والتأهيل خارج البلاد.

وهذه التجارب خارج المكان والثقافة والزمان أتاحت فرصة كبيرة لرجوع العقول والطاقات لتسهم في بناء الدولة والمجتمع على مستويات سياسية واقتصادية واجتماعية إلا أن بعضها سوف يساهم من خارجها.

تشكل رواية " ثمن التضحية 1958" لحامد دمنهوري حالة سردية تكشف عن نموذج الإنسان بين بيئتين وبين مفاهيم بعضها متصادم والآخر يتقاطع . إنها تكشف عن برزخ من الحيرة عند بطلها أحمد الذي يدرس في القاهرة ويعيش حيرة قلبه بين فاطمة خطيبته المنتظرة عودته ، وفائزة زميلته المتعلمة والمثقفة ولكن تغلبه التقاليد!

وبرغم أن دمنهوري لم يواصل إلا برواية واحدة إلا أن النسيان سوف يأخذه بعيداً ويبقى رقماً تاريخياً فيما سوف يتنافسان كل من سميرة خاشقجي وإبراهيم الناصر في تواصل أعمالهما الروائية والقصصية منذ أواخر الخمسينيات والستينيات .

سوف تفتح الروايات مواضيعها المهمة مثل جدلية القرية والمدينة "ثقوب في رداء الليل 1961" للناصر ، تخلف المرأة واستضعافها "قطرات من الدموع" برغم استمرار قضية الآخر في موتيفات سوف تتوالى كثيراً.إن تلك القضايا ستسيطر على الرواية مروراً بفترة السبعينيات والثمانينيات برغم أن القصة القصيرة سوف تطغى كما ونوعاً (النعمي، 2009).

ظهرت أسماء أخرى مثل هدى الرشيد وهند باغفار وعبد الله الجمعان في روايات تناولت حالات إنسانية عامة قبل الطفرة النفطية اقتصادياً وما ستنعكس بآثارها على الاجتماعي والسياسي حيث ستمد تلك الأسماء اسم عبد العزيز مشري الذي سيكون جسراً لتحول الرواية السعودية – الوسمية 1986 أولى رواياته- في الربع الأخير من القرن العشرين برغم أن أسماء أخرى ستسند مشري مثل رجاء عالم "أ4/ صفر1987 "،وعبد العزيز الصقعبي "رائحة الفحم 1988" ، ولكن سيشغلها المسرح والقصة القصيرة لاحقاً.

الأصوات النافرة

يلحظ حسن النعمي نقدياً سمات عامة في التجربة الروائية خلال فترات النشأة والتأسيس ثم الانطلاق بين الثلاثينيات حتى السبعينيات ، وهي ملاحظات مهمة : الرواية وأبناء القرى ، غياب المجايلة ، غياب المكان ، النفط والرواية (النعمي،2004).

فهو يرى روائيين برسم قروي ، ويعني هذا أن هناك كتابة رواية ولكن هذه الكتابة عن القرية في المدينة! ، فما كتبه عبدالعزيز مشري ، وإبراهيم شحبي وإبراهيم الناصر ثم سوف تبقى عوالم القرية بروحيتها في ذهن عبده خال!

ولا يمكن تعليل الملاحظة الثانية دون معرفة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لوضع الإجابة عن الشعور بغياب المجايلة أي التزامن بين الأجيال ، وربما ندرة ظهور أكثر من روائي في وقت واحد أو من منطقة واحدة .

وغياب المكان ، وهي ملاحظته الثالثة تبقى غير مقنعة تماماً باعتبار أن مكان المعيشة أو التجربة ينعكس حتى لو غابت التسمية ، ولا يكفي حضور المكان بالوصف ، فلم تغب المدن مثل الطائف في رواية " فكرة" للسباعي ، ولا مكة في رواية " ثمن التضحية" لدمنهوري.

أما ملاحظته الأخيرة ، وهي النفط والرواية ، باعتبار أن النفط لم يكن موضوعاً روائياً برغم أن النفط حضر في خماسية " مدن الملح" لعبد الرحمن منيف بعد مقدمات نظرية اقتصادية عند عبد الله الطريقي وفلسفية عند عبد الله القصيمي إلا أن منيف يعد من الأصوات النافرة خارج السياق النقدي السعودي للرواية المحلية.

وبرغم أن الرواية سوف تندفع نهاية التسعينيات ومطالع الألفية الثالثة لا بسبب من الأسباب التي توهمها النقد ، فهي اخترقت الحالة القروية ، والمدنية الطفولية ، وغياب المجايلة أو انعدام التراكم ، وغياب المكان أو الجغرافيا الضائعة بصوتين نافرين من خارج السرد وأنواعه.

جاء الشاعر والسياسي غازي القصيبي في أعمال تجريبية ، والمفكر والمحلل السياسي تركي الحمد في أعمال سيرية روائية وتاريخية لفتق هذا البطن السردي المفتول حزماً.

لم تكن أعمالهما سوى مقدمات سوف تضيع في خضم روائي سفح السرد بطوفان لم يكن متوقعاً ولم يكن إلا صادماً في تفاوت مستواه ومواضيعه وأشخاصه حتى الصراخ.

برغم أن تجارب مهمة بدت تنضج مثل يوسف المحيميد وأميمة الخميس وبدرية البشر وليلى الجهني إلا أن أسماء أخرى بدت تبشر بمرحلة جديدة من الانقطاع مثل محمد حسن علوان ورجاء الصانع اللذين ستتجاوزهما أسماء مهمة وذات شأن مثل صبا الحرز وعلوان السهيمي ومطلق البلوي.

على أن الكثير من الكتابات السردية خلال 2003-2007 وقعت في الأمراض السردية المعتادة من الالتباسات والارتباكات عوضاً عن غرقها في إيديولوجيا السطحية .

إلا أن الروايات الجادة في أساليبها ومواضيعها تكشف عن حال أنتج الرواية بالوعي عبر مكونات إبداعية ، مثل: البصيرة السردية والتقنية والخلق .

تلك الروايات تقترح مواضيع جديدة ومتطورة عدة : الهوية في أبعادها الاجتماعية والفردية ، والعلاقة مع الآخر – المختلف ( المذهب والقبيلة) ، الإيديولوجيا في صورها عبر التاريخي والفلسفي.


الرواية السعودية : واقعها وتحولاتها ، حسن النعمي ،سلسلة المشهد الثقافي ، وكالة الشؤون الثقافية ، وزارة الثقافة والإعلام ، 2009.

رجع البصر:قراءات في الرواية السعودية، حسن النعمي ، النادي الأدبي الثقافي – جدة ، 2004.

email mark

--------------------------------------------------------------------------------
رابط الخبر : http://www.alriyadh.com/2009/05/14/article429292.html
--------------------------------------------------------------------------------
هذا الخبر من موقع جريدة الرياض اليومية www.alriyadh.com



--------------------------------------------------------------------------------



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 978


خدمات المحتوى


أحمد الواصل / الرياض 13 / 5/1430
تقييم
1.00/10 (2 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.