في
السبت 26 جمادى الثاني 1438 / 25 مارس 2017

جديد الأخبار


05-18-1430 11:01 PM

الرواية العربية في القرن التاسع عشر




-بحث في البنية السردية والدلالية-




1.مدخل



تكشف خارطة السرد العربي الحديث في القرن التاسع عشر عن غنى خاص في مجال التأليف الروائي،وبغضّ النظر عن الأحكام النقدية الشائعة في حقّه،وكثير منها أسقطت قيما لاحقة على حقبة التشكّل الأولى للنوع الروائي،فإنَّ تلك المدوّنة السردية شديدة التنوّع والثراء،ولعلّها الوثيقة الرمزية الأكثر تعبيرا عن الانتماء المزدوج لأسلوبين ورؤيتين ونسقين ثقافيين؛فهي تتصل بالمدوّنات والمرويات السردية في كلّ ذلك،وتنفصل في الوقت نفسه عنها؛تتصل بها لأنّها ورثت مكوّناتها العامة،واستوحت عوالمها التخيّلية،وموضوعاتها،وصيغها التعبيرية،وتنفصل عنها لأنّها انشقّت بوضوح عن القوالب الأسلوبية والأبنية السردية المقفلة والثنائية الضدّية للقيم الشائعة في الموروث السردي،وبدأت ببطء تشكّل خصوصياتها في كلّ ذلك،وليس خافيا أن ذلك استغرق زمنا طويلا.ولا يعتبر اتصال الرواية في أول أمرها بالمرويات السردية انتقاصا لها،ولا يعدّ انفصالها ميزة لها،فالحراك البنيوي والأسلوبي في الآداب القومية يؤدّي باستمرار إلى تحوّلات أجناسية وأسلوبية ودلالية،فيعاد تقويم الآداب في ضوء هذه التحوّلات الكبرى،ويتّضح لكلّ باحث يستغرقه حال الثقافة العربية في القرن التاسع عشر أنّه كان القرن الذي شهد بداية هذه التحوّلات التي تفاعلت،فيما بينها،فأفضت إلى تغيير كبير في الأدب بأنواعه ووظائفه،والثقافة بشكل عام،فيما بعد. ويسعى هذا البحث إلى إبراز الخصائص السردية والدلالية للنصوص الريادية التي صاغت الملامح الأساسية للرواية العربية في نشأتها الأولى.

2. الخوري و" ويْ.إذن لست بإفرنجي":انتزاع الريادة السردية



في سياق تحليل المدوّنة السردية الروائية في القرن التاسع عشر،لايمكن تخطّي الدور الريادي الذي قام به "خليل الخوري"(1836-1907)صاحب جريدة" حديقة الأخبار" ومؤسسها،الذي وصفه "مارون عبود" بأنّه" أوّل رواد التجديد"(1)،فقد تبنّى نشر الروايات المؤلّفة والمعرّبة منذ بداية صدور جريدته في عام 1858،ولعلّ أول رواية مؤلّفة نُشرت فيها هي رواية" البرّاق بن روحان" التي لم يرد ذكر لمؤلّفها،وبدأت في الظهور اعتبارا من العدد 40 في السنة الأولى لصدور الجريدة،ثم انصرف اهتمام " الخوري" إلى نشر الروايات المعرّبة بداية برواية " المركيز دي فونتاج" التي بدأ نشرها في العدد 52 من السنة الأولى 1858 ثم أعقبتها رواية " الجرجسين" بداية من يوم السبت الموافق 28 آذار/مارس 1859.وكلا الروايتين من تعريب " سليم نوفل".وتابعت الجريدة نشر روايات أخرى منها على سبيل المثال" فصل في بادن "ورواية" بولينه موليان ".وإبّان المدة التي كانت تنشر فيها الرواية الأخيرة بدأ " الخوري" ينشر روايته " وَيْ.إذن لستُ بإفرنجي" التي ظهر فصلها الأول في العدد 93 الصادر يوم الخميس 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1859وقدّمها " الخوري" قائلا:" إذا كنتَ أيها القارئ مللتَ مطالعة القصص المترجمة،وكنتَ من ذوي الحذاقة،فبادر إلى مطالعة هذا التأليف الجديد المسمّى:ويْ.إذن لست بإفرنجي" ووضع للرواية مقدمتين سمّى الأولى مقدّمة المقدّمـة،والثانيـة المقدّمـة(2).وإثر انتهاء النشر بمدة وجيزة صـدرت الرواية كاملة بكـتاب في 162صفحة،وذلك في عام 1860 .

يكشف التقديم المذكور حقيقة ينبغي أن تؤخذ بالاعتبار بصورة كاملة،وهي أنَّ " الخوري" قرّر أمرين متلازمين،الأول كثرة المعرّبات الروائية من اللغات الأخرى،إلى درجة أشعرته بالملل،كما يلمس من مخاطبته القارئ،وتلك حقيقة يكشف عنها اهتمام" حديقة الأخبار" بالمعرّبات،ونرجّح أنّه كان يقصد تلك المعرّبات دون سواها،إذ لم يكن التعريب قد شاع آنذاك في تلك الفترة المبكّرة، بحيث يصبح ظاهرة عامة تستحق هذه الإشارة،ولا تكشف فهارس المعرّبات إلا عن نص معرّب واحد قبل ذلك،هو" مطالع شموس السير في وقائع كارلوس الثاني عشر" لـ" فولتير" وهو تعريب لنص ذي صبغة تاريخية أكثر منها سردية-تخيلية،وعن هذا الأمر يتأدّى الثاني،وهو ضرورة العناية بالمؤلّفات،ويتقدّم " الخوري" نفسه لذلك في روايته،فكأنّه بذلك يريد لفت الانتباه إلى أهمية التأليف الروائي وضرورته.وإذا أُخذ الأمر بظاهره فيمكن تأويل كلام " الخوري" على أنّه ضرب من الشعور بالحاجة إلى التأليف أكثر منه للتعريب،والإشارة إلى هذه الحاجة تظهر وعيا أوليا بضرورة الكتابة الروائية،مع أهمية التأكيد على أنَّ المعرّبات التي ظهرت في "حديقة الأخبار"خلال السنة الأولى من صدورها،كانت تخضع لشروط التأليف السردي الموروث،ولا تراعى فيها الدقة والأمانة.

لم ينقطع" الخوري"كثيرا عن أساليب التعبير المو########،كما حدث لمعاصره " فرنسيس مرّاش"،لكنهما يشتركان في تكريس النصّ لغايات اعتبارية،وهو أمر لازم السرد القديم،وتكشف لغته في بداية الأمر نوعا من الامتثال للأسلوب التقليدي،لكن ذلك لم يثبت إلى النهاية،على أنّه - شأن جميع الروائيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر،والشطر الأعظم من النصف الأول من القرن العشرين - ظل معنيا بالتعليق المحايث على الأحداث،والتفسير المصاحب لها،كما نجد ذلك عند "سليم البستاني" و"جو رجي زيدان" و"هيكل" وغيرهم؛إذ تظهر تعليقات الكاتب على الأحداث كجزء من النصّ،كما هو شائع في ذلك الزمان،فالرّاوي الذي هو قناع المؤلّف،في تلك المرحلة،يوجّه الأحداث على نحو مباشر من خلال تدخّلات ظاهرة،كقوله،على سبيل المثال،في الفصل السابع:" لاشك أنّك،أيها المطالع العزيز،قد نظرت بالعيان كلّما(كذا) شخّصناه لك من الصفات والسمات حيثما قد أطلنا بك المقام في هذه المدينة التي قد سلبت منّا قيمة الزمن،كان يجب ألاّ نصرفها لو سلكنا على مبادئ التوفير.لقد جاء الوقت الذي صار ينبغي به أن نرحل قبل أن تمنعنا نبال الأمطار،ومعامع الأنوا(كذا)،لأننا قد قطعنا بها رأس الخريف وذنبه فهاجمتنا أقدام الشتا(كذا) بجيوش الغيوم التي راحت تكسي بنات السما(كذا) بنسيج قطنها المندوف المتراكم في ساحة الفضا(كذا) مبتهجا بعلايم الأمان حيثما لا تقدر أن تتوصل إليه يد الشجار الطويلة فتخطفه إلى بطون السفن الإنجليزية…لكن قبل أن تشغلنا أهبة السفر يجب أن تفتكر إلى أي مكان نوجّه خطواتنا،فأظنك ترغب المسير إلى دمشق،لكن هذه المدينة لا يوجد بها شيء نحدّق به( كذا) بأبصارنا إليه لأنّ يد التفرنج لم تدن منها بعد،فلم تزل على أصل فطرتها العربية"(3).

هذه السلسلة المتواصلة من الصيغ البلاغية التقليدية انتشرت في تضاعيف النصّ،وقد بدا التعسّف واضحا في التسجيع،مع ميل لا يخفى نحو التبسيط اللغوي الذي يقترب إلى العامية أحيانا،وتلك الصيغ ترد ضمن خطاب موجّه إلى المتلقّي،يستخدم كوسيلة سردّية لتغير مسار الأحداث والأمكنة،لكن المؤلّف يستثمر الموقف ليعلن عن أفكاره الشخصية،ومنها التأكيد على عدم تفرنج دمشق.وفي ظلّ سياق ثقافي مازال في بداية تطوّره ليس من الممكن تصوّر انقطاع كامل عن الموروث الأسلوبي من جهة،ولا التخلي عن القيمة الاعتبارية للنصوص المكتوبة.فقد جاءت الرواية العربية الأولى بصورة كتاب أخلاقي اجتماعي وضعه مؤلّفه بأسلوب قصصي ينتقد فيه بدقة الأخلاق والعادات(4).

تعنى رواية " الخوري" باللقاء الأول مع الغرب،ذلك اللقاء الذي عرفته بلاد الشام قبل غيرها،فوجد طريقة إلى الأدب الروائي،ولم يكن المؤلّف يكتب دون أن يلحظ ما يترتب عليه من مهمة اجتماعية وأخلاقية،وذلك ما دعاه شأن غيره من الكتّاب إلى الاهتمام بالبعد الاعتباري لروايته،التي كانت تتراوح بين نوع من المغامرة الارتحالية في أماكن متعددة،والأحداث المباشرة التي يراد بها التعبير عن جانب من عصر المؤلّف.والملاحظة التي تفرض حضورها هنا خاصة باللغة والأسلوب وطريقة السرد؛فقد كان " الخوري" انتقائيا في ألفاظه،وذلك حال دون السلاسة التعبيرية التي ظلّت تلمس بوضوح إلى عقود بعد " الخوري"،ولكنّه هيّأ للتخلّص من الصيغ الجامدة في النثر المتصنّع،وإن لم يفلح كثيرا في ذلك،وجاء أسلوبه أقرب إلى محاكاة الأساليب الشائعة في المرويات السردية،لكنّها أكثر عناية في اهتمامه بالصورة الفنية.ومرجع ذلك الاختلاف الذي يظهر بين الأداء الشفوي في تلك المرويات والكتابي في رواية " الخوري"،وأخيرا وضعت رواية" وي.إذن لست بإفرنجي"السُنن الأولى للسرد الذي تتداخل فيه،في وقت واحد،مسارات السرد الحكائي وتعليقات المؤلف،ثم العناية البالغة بالحركة والتنقل وقلة الاهتمام بالبعد الواقعي للشخصيات،وعدم مراعاة الترتيب الزمني للوقائع بدقة،وخضوع العلاقات بين الوقائع للصدفة وليس للعلة،بما يكشف سيادة العلاقات السردية على حساب العلاقات المنطقية بين الأحداث،وهذه السُنن اللغوية والسردية المستعارة بمجملها من المرويات السردية ستلازم الرواية العربية في طور نشأتها الأول.

3. "المرّاش" و"غابة الحق":دمج التعارضات الأسلوبية وتمثيل العوالم المتعارضة



في الفترة التي كان "الخوري" قد نشر روايته،كان " فرنسيس مرّاش الحلبي"(1835-1874)يعدّ نفسه لكتابة رواية من نوع مختلف،يصار التركيز فيها على القيمة الذهنية والرمزية للسرد،وبلغة لا تمتثل للموروث السائد إنما تحاول الاحتجاج عليه في التركيب والغاية،وتلك الرواية هي"غابة الحق" التي صدرت في عام 1865،وكان " مرّاش" قد أصدر قبل ذلك في عام 1861 كتابا يستعين بالسرد وسيلة له،وهو" درّ الصدف في غرائب الصدف" ثم أصدر بعد" غابة الحق" بعامين كتابه"رحلة باريس" وفي هذا نريد التأكيد منذ البداية إلى أنّه ظل يتحرّك في مجال السرد الذي انصرف كليا إليه،كما سنجد ذلك في روايته" غابة الحق" التي كتب معظم فصولها أثناء إقامته في باريس.وقد اتفق معظم الدارسين الذين اهتموا بـ" مرّاش" على أنّه حاول التوفيق بين الوظيفة الفكرية للأدب والغايات الجمالية التي يوفرها السرد الأدبي،كما عبّر " لويس شيخو" عن ذلك بقوله:" إنّه جمع في روايته بين" الفلسفة والأدب" و" أودعها الآراء السياسية والاجتماعية على صورة مبتكرة "(5)،
هذه الطريقة في الصوغ الأدبي هي التي جعلت " الفيكونت دي طرّازي" يقول عن الرواية: بأنّها" كتاب أخلاقي وضعه على أسلوب القصة،وضمّنه انتقادا دقيقا للأخلاق والعادات"(6)،فيما وصفه "الزيّات" لذلك بأنه" أقدم دعاة التحديث،وأول رسل التجديد"(7).وما جانب "مارون عبود" الصواب حينما أكد في عام 1949،وبعد مرور 75 سنة على وفاة "مرّاش"،بأنّه كان على قصر عمره" زعيما أدبيا ترك دويّا" وأنَّ روايته" غابة الحق" التي طبعت ستّ مرات حتى عام 1990،قد كتبت على غرار" رؤيا يوحنا" كونها تبدأ بالحلم وتنتهي به،إنما هي طراز خاص،فالخيال فيها" يبلغ مداه الأبعد،وقد استولى فيه المؤلّف على الأمد.العرض والسياق جيدان،والقصّ يمشي على رسله،أما الأبطال فلا سمات لهم،ولم يستعر المؤلف لشخوصه الأجساد التي تنبثق منها أعمالهم وآراؤهم وأفكارهم بل ناب هو عنهم جميعا،واكتفى بأسمائهم،ثم راح يقول بلسانهم ما يقول.وقد يُعذر على ذلك لأنّهم رموز لا أشخاص،ولكنه في كل حال مسؤول عنهم لأنّه خلقهم.أما العبارة فخيالية سهلة،ولكنه ينقصها شيء لتخرج ناتئة بارزة،إنّها كتلك الرسوم التي لم تفز بحظها الكامل من الألوان والخطوط،والإنشاء على ما فيه من خيال وصور قلّما نحسّ فيه تلك الحركة،ولا ذلك الزخم"(.

يتضمن رأي "عبود" جملة من الأوصاف والأحكام التي تصلح منطلقا لتحليل رواية" غابة الحق" ويمكن القول بأنّه أنصف الرواية حينما أبان مزاياها وعيوبها معا.وليس لنا الآن أن ننتقص من رأي "عبود"،فمن الصعب الحصول على أفضل منه في النقد العربي خلال الحقبة التي صدر فيها،تلك الحقبة التي شاعت فيها الانطباعات والأحكام،إلى ذلك فقد التفت إلى جملة من القضايا المهمة التي لم تكن مثارة آنذاك بصورة ملحّة،ومنها قضية الأسلوب السردي في الرواية، وقضية البناء،وقضية الخيال.فوجد تلازما بين العرض والسياق،ويفهم من ذلك أنّه كان يقصد بذلك الطريقة التي بنيت فيها الأحداث والشخصيات والخلفية الزمانية- المكانية لهما،وما يترشّح عن ذلك من سياق دلالي،سيؤكد "عبود" أنّه سياق رمزي.وبحسب المصلح السردي الحديث يمكن القول: إنَّ "عبود" كان يقصد شيئا قريبا مما نعرفه الآن بالبنية السردية والدلالية للنصّ،مع ضرورة التأكيد بأنَّ هذه المصطلحات ودلالاتها ووظائفها لم تكن مثارة في النقد الروائي العربي في حياة "مارون عبود".وترد إشارته حول القصّ/ السرد الذي رآه سلسا مرسلا،وهي إشارة معبرة عما يتّصف به النص،ومن هذه الناحية فأنّه أنصف نصّا ظهر قبل أكثر من ثمانين سنة من الوقت الذي كتب فيه "عبود" رأيه.

وبعد كل هذا تظهر مجموعة من الطعون على الرواية،وفي مقدمة ذلك غياب التشخيص،وهذه الملاحظة على درجة بالغة من الأهمية فـ"مارون عبود" يتفهّم سبب ذلك كون الأشخاص في الرواية يحيلون على رموز،والمؤلّف انتقاهم لدلالتها الرمزية،وليس لمماثلتها نماذج واقعية،أو محاكية للشخصيات المستعارة من الواقع،ولا تغيب هذه الملاحظة عن كل قارئ للرواية،فـ" غابة الحق" نصٌّ يتشكّل سرديا من منظومة متكاملة من الرموز،وهذا يفسر ملاحظة " عبود" في أنّ "مرّاش" كان يُنطق شخصياته بأفكاره هو،فالأفكار مصمّمة كجزء من الوظيفة الإصلاحية والانتقادية للنصّ،ولم يكن هذا أمرا غريبا عن فنّ الرواية بصورة عامة،فقد كانت الشخصيات حوامل دلالية لأفكار الروائيين إلى درجة تزاح فيها الشخصيات جانبا في كثير من المواقف،فيخاطب المؤلّفون القراء كأنهم جزء من البنية السردية للنصّ الروائي،وهذا يكشف عدم استقلالية الشخصية داخل النسيج الفني للعمل الأدبي،وسيمرّ زمن طويل قبل أن يتحقق ذلك.

الروائي ملزم بمراعاة السُّنن الثقافية للتلقّي في عصره،فهي التي تتحكّم في نوع الأدب الذي يجري قبوله،وكانت تلك الحقبة مشبعة بالسمات الأسلوبية التي أوجدتها المرويات السردية،فجاءت الرواية لتعبر عن استجابة مباشرة لتلك الشروط التي تفترض في الآداب السردية،بغض النظر عن نوعها مغزى قيميا.بدأت الرواية العربية كرواية إصلاح؛لأنَّ ذائقة التلقّي كانت تفترض في المادة الحكائية أن تحمل رسالة أخلاقية،واستجابت الرواية لهذا الشرط،وبمرور الوقت بدأ ذلك المغزى الأخلاقي يتراجع،وتوارى شيئا فشيئا صوت المؤلّف الفردي ورؤيته وموقفة الفكري،وبدأت النصوص تعبر ضمنا عن القيم الثقافية،انتقلت الرواية من المستوى الفردي إلى المستوى الحواري.

وجدير بالذكر أنَّ "باختين" كان استقصى هذه الظاهرة،واعتبر أنَّ روايات "دستويفسكي"،التي بدأت بالظهور خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر،وفي فترة قريبة من ظهور روايات "الخوري" و"مرّاش" و"سليم البستاني"،من أوائل الروايات التي بدأت تعرف تعدّدا في الأصوات،إذ وقع انفصال بين رأي المؤلف ورأي الشخصية،ففي تلك الروايات"يظهر البطل الذي بنى صوته بطريقة تشبه بناء صوت المؤلف نفسه في رواية من نمط اعتيادي.إنَّ كلمة يتلفّظ بها البطل حول نفسه هو بالذات،وحول العالم تكون هي الأخرى كاملة الأهمية تماما مثل كلمة المؤلّف الاعتيادية.إنّها لا تخضع للصورة الموضوعية الخاصة بالبطل بوصفها سمة من سماته،كذلك هي لا تصلح أن تكون بوقا لصوت المؤلّف.هذه الكلمة تتمتع باستقلالية استثنائية داخل بنية العمل الأدبي،إنَّ أصداءها تتردّد جنبا إلى جنب مع كلمة المؤلّف وتقترن بها اقترانا فريدا من نوعه،كما تقترن مع الأصوات الكبيرة القيمة الخاصة بالأبطال الآخرين"(9).

ظلت الرواية العربية،إلى النصف الأول من القرن العشرين تعتبر الشخصيات أقنعة رمزية للكتّاب،ومع أنَّ الرواية الحديثة بعد ذلك حاولت أن تدمج بين الرؤى الفكرية الخاصة بالمؤلّفين مع تلك الخاصة بالشخصيات،حينما جعلت البحث وظيفة من وظائفها،كما تجلّى الأمر في روايات" أُمبرتو إيكو" لكن ذلك لم يتضح أثره في الرواية إلاَّ وقت متأخر.كانت الشخصيات في السرد القديم تقوم بوظيفة القناع الذي يستتر خلفه الكتّاب.وأخيرا تأتي الملاحظة الخاصة بالأسلوب اللغوي،وهي ملاحظة تكشف استبداد المعيار اللغوي الموروث الذي تمرد عليه "مرّاش"،ولم يتمكّن "عبود" من تقديره،فمن الصحيح بالنسبة لـ" عبود " أنَّ " مرّاش " كان ذا عبارة خيالية سهلة،لكنّها منقوصة في مكان ما، إنّها كالرسم الشاحب في خطوطه وألوانه، تغيب عن الأسلوب الحركة والزخم،ويقارن "عبود" بين أسلوب "مرّاش" وأسلوب كاتبين معاصرين له، فيقول " ليس للمرّاش شقشقة تعبير أديب إسحاق، ولا هديره،ولا صحة تعبير الشدياق،ولا ظرفه،ولا تهكمه،لكنه أسمى خيالا منهما،وقد ذكرت هذين الاسمين لأنهما كانا سيدي الحقبة التي وجد فيها المرّاش"(10).

يحتاج التأكيد الأخير منا إلى وقفة قصيرة،فـ"مارون عبود" فيما يخص هذه القضية الدقيقة لجأ،لأنّه لم يجد نظيرا لأسلوب "مرّاش"،إلى المقارنة،وقادته المقارنة إلى ما نعتبره في ضوء التطوّرات الأسلوبية التي وقعت في العربية خلال القرن التاسع عشر ميزة خاصة للمرّاش وليس نقصا،فأسلوبه خلو من السمات التي ميّزت معاصرين له،هما الشدياق وأديب إسحاق،إنّه أكثر بُعدا عن التصنّع،أكثر سلاسة،أكثر هدوءا،لا تفاصح فيه ولا شقشقة،وبعبارة"عبود" إنّه مفارق للحركة اللفظية الطنّانة،والزخم الذي يدفع به التوتّر اللفظي،وكل ذلك يغيب عن أسلوب "مرّاش" لأنَّ المرجعيات التي صاغت أسلوبه،وأثرت فيه مرجعيات فلسفية ودينية وعلمية،وبحسب "مارون عبود":"هو متأثّر بالعلم والفلسفة أكثر من جميع كتّاب عصره،نزّاع إلى إصلاح المجتمع يدعو إلى الأخذ بالحضارة الحديثة،أما ثقافته فمتأثرة بالدين،ولغته تكاد تكون لغة الكنيسة المستعربة حـديثا"(11).

لم يتفرّد "مارون عبود" باستخلاص هذه الظاهرة،فقد كانت مثار انتباه مجموعة من الدارسين،بل إنَّ هذا الحكم استقاه "عبود" من "الحمصي" الذي أكّد منذ فترة طويلة على أنَّ المرّاش" كاتب مبادئ وتفكير،وذو خيال مبدع،عبارته رقيقة،سهلة،ركيكة أحيانا،ليس لها نصاعة أديب إسحاق ولا هديره،ولا جزالة الشدياق وظرفه وتهكمه،غزير الأفكار،خطابي اللهجة في كل من شعره ونثره،ولعله أسبق كتّاب عصره للمطالبة بإنشاء دنيا جديدة يسودها السلام،ويرف عليها الوئام في كتابه"غابة الحق" "(12).ووصف "شيخو" أسلوبه بأنه يتميّز بـ" الترفّع عن الأساليب المبتذلة فيطلب في نثره ونظمه المعاني المبتكرة والتصوّرات الفلسفية،فلا يبالي بانسجام الكلام وسلاسته،فتجد لذلك في أقواله شيئا من التعقّد والخشونة مع الإغضاء عن قواعد اللغة"(13).وفسّر رشيد عطا الله الأمر قائلا" أدى به حرصه على حفظ استقلاله الفكري إلى نبذ قوانين الإنشاء ظهريا وكسر قيود اللغة نفسها"(14).
لو نظرنا إلى أسلوب "مرّاش" في ضوء الاتجاهين السائدين في عصره،الأسلوب الذي ورث التصنّع وبالغ في تقليده،والآخر المرسل الذي ورث أسلوب المرويات السردية،فأننا سنجد أن أسلوبه يختلف عنهما معا،فمن ناحية أولى هو يختلف عن الأسلوب الأول؛لأنّه يتجنب التصنّع البلاغي القائم على تعقيد لا مسوّغ له يحول دون التعبير الدقيق عن المقاصد،ولا يوحي بها إيحاء فنيا شفافا،ويتجنّب التكرار الإيقاعي في الجمل الذي يعبر عنه السجع،ويبتعد عن الإسهاب الذي تفرضه مقتضيات التصنّع والتسجيع،فجملته مصقولة،واضحة،دقيقة،مباشرة،تتابع فيها الجمل في نوع من التلازم الهادف إلى التعبير عن فكرة،وليس إدّعاء مهارة،ومع أنَّ الأفكار تتلوّى أحيانا بسبب أنّها تعالج موضوعات جديدة،وقضايا غامضة بطبيعتها،لكنّه لا يلجأ إلى تقليد الأساليب المتصنّعة،ولا يستعين بالغريب؛فأسلوبه مسترسل قريب إلى الأسلوب الثاني،لكنه- وهذه هي الناحية الثانية- أبعد ما يكون عن سهولته المتأتية من سهولة الأفكار فيه،وبساطته التي تنحدر من الصيغ الجاهزة،فأسلوب "مرّاش" في" غابة الحق"يتميز بالفخامة التي لا يقصد منها التعقيد،والوضوح الذي لا يهدف منه إلى التبسيط.
وينبغي الإقرار أنَّ هذه السمة الأسلوبية على وجه التحديد لم تكن،في حدود علمنا،واضحة في غير "غابة الحق"،لقد كان الأسلوب التقليدي يحتضر ببطء،لكنه ينتفض أحيانا ليقاوم مقاومة شرسة على يد "اليازجي" و"عبدالله فكري"- على سبيل المثال- أما الأسلوب الحديث الذي يعدّ استمرارا لأسلوب المرويات السردية فأنّه يتشكّل شيئا فشيئا بعد أن راحت الكتابة الصحافية تمتص صيغه الجاهزة،وتعيد صوغه ليلائم مقتضيات التعبير السليم،وهكذا فأنَّ أسلوب "مرّاش" قد أدى وظيفتين معا،من جهة:عجّل بأفول الأسلوب الأول،ومن جهة أخرى:أضفى على الأسلوب الثاني عمقا ورونقا فكريا بعد أن كان أسير المرويات الشعبية التي هي تمثيل لمخيال يبتعد تماما عن أي صياغة تركيبية غامضة لا في الأفكار ولا التعبير.ليس من الخطأ القول إنَّ أسلوب"مرّاش"كان خاصا،ومبكّرا في قدرته الاستكشافية على تدشين الأسلوب الأدبي الذي شاع في العربية بعد ذلك بنصف قرن. فقد وصف باحث متخصص في أدبه ذلك الأسلوب بأنّه:ثورة في عالم الأدب في زمانه...فهو بسيط غير متكلف، فلا يتحرّز عن استخدام المفردات العامية أحيانا، فهو من هذه الناحية يوصف بأنّه فلكلوري، وهو أسلوب رومانسي كونه مملوءاً بالاستعارات الجميلة القائمة على مبدأ التشخيص، ومن هذه الناحية يمكن اعتبار المرّاش السلف المؤثّر في أدب جبران خليل جبران، هذا فضلا عن شيوع الروح العلمي في ذلك الأسلوب بسبب دراسة المرّاش للطب (15).وهو أسلوب تشبّع بالمؤثّر الأدبي الرومانسي" في استخدامه الرموز والرؤى والنثر التوراتي،إلاَّ أنّه مزج هذا الدخيل بتعابير قرآنية،وأبيات من الشعر القديم"(16).

تعتبر" غابة الحق" من التجارب الروائية المبكرة التي تستند فيها الأحداث والشخصيات إلى رؤية كلية خاصة بالمؤلف تهدف إلى تمثيل فكرة التغيير الاجتماعي،ومن هذه الناحية فقد سبقت كثيرا من الروايات التي كانت تعرض أحداثها بمعزل عن الخلفيات الفكرية إن لم نقل إنّها بلا خلفيات فكرية،إنما مجرد سلسلة من الأحداث المشوّقة،فيما تنخرط " غابة الحق" في معمعة مشكلات التحديث والعدالة والاستبداد والصراع بين مفاهيم الحرية والعبودية؛فحدث الرواية مصمّم لكشف الصراع المستحكم بين مملكة التمدّن وشعارها الحرية ودولة العبودية وشعارها التوحش،والشخصيات تتوزع لتمثيل هذا الصراع الذي كان شاغلا فكريا أساسيا عند "مرّاش".فهي"رواية رمزية موضوعها الاجتماع الإنساني وما يعرض له من ألوان السلم والحرب والعدل والحرية والعبودية والتمدن والتوحش"(17).

إنَّ التدقيق في هذه الثنائية التقليدية التي تستمد أصولها من الفكرة المو######## عن العالم المنشطر بين قوى خيّرة وأخرى شرّيرة يكشف أنَّ " مرّاش" مازال ينظر إلى التاريخ تلك النظرة النمطية القائمة الثنائيات الضدّية بين الفكر والواقع.ولكنه لا يقف عند حدود تمثيل ذلك التنازع الثابت الذي صورته المرويات السردية،إنما،وربما يحدث هذا لأول مرة،يقيم حوارا بين الثنائيتين تنتهي لصالح مملكة التمدّن،بعد أن يتدخّل الفيلسوف فيكشف أنَّ الحوار وليس الحرب هو الوسيلة المناسبة لنقض التضادّ بينهما.ولعل هذه القضية على غاية من الأهمية في سياق تلك الحقبة التي كان الآداب تعبر فيها عن نوع من الصراع الدائم بين هاتين الفكرتين.

وتتضمن" غابة الحق" أكثر من مستوى سردي،فإطارها العام ينتظم من خلال حلم الراوي الذي يستعين بالسرد الذاتي لتقديم عالم تعرض أحداثه وشخصياته بأسلوب يمزج بين المشاهد المسرحية والصيغ الحوارية الطويلة التي تذكر أحيانا بالمحاورات السقراطية لأفلاطون التي لا تتغير فيها المشاهد، ولكن تتنامى فيها الأفكار عبر الحوارات التي تسعى لتوليد تصوّرات مختلفة عن الأحداث. وقد وصف"روجر ألن" تلك الشخصيات بإنّها"ترمز لصفات مجرّدة أكثر من كونها عوامل تغيير حيوية"(1.

يقوم الحلم بتأطير الحدث،ويتوارى الراوي-الحالم،لينبثق عالم " غابة الحق" من مشاهد طويلة وشاملة تكشف نوع الصراع بين الأفكار الدالة على تصوّرات سياسية واجتماعية معينة،وهنا تتسرّب أفكار "مرّاش" في سياق حوار الشخصيات التي ترمز إلى أفكار أكثر مما تحيل إلى عناصر سردية بذاتها.ويمكن اعتبار هذه المستوى من الأحداث هو المستوى الثاني،ولا نعدم في تضاعيفه ظهور مستوى ثالث يعبر عن تجارب اعتبارية للشخصيات،ومثال ذلك تجارب العبدين ياقوت ومرجان التي تُعرض برؤى سردية ذاتية لتبيّن نوع التحوّل الذي طرأ على علاقات الشخصيات فنقلها من علاقات الاستعباد إلى عالم الحرية.وهذا التركيب السردي المختلف عن نظائره في تلك الحقبة يضفي على" غابة الحق" قيمة فنية خاصة،فالقصدية في التركيب تخدم الرؤية الخاصة بالمؤلّف الذي جعل من أحداث الرواية بالمستويات السردية التي أشرنا إليها تقوم بتمثيل فكرته عن الحرية والعبودية،وعن التمدن والتوحش،وأخيرا،وهذا هو المهم فيما نرى،الدخول في حوار يقود إلى ذوبان أطراف الثنائية،وتنتهي الرواية دون احتمال لانبثاق فكرة شريرة مرة أخرى،فقد نجح السرد في إعادة ترتيب العلاقات بما يؤدي إلى فكرة واحدة.

تتجلّى القيمة الفنية لرواية " غابة الحق" ليس من دلالتها الإصلاحية،إنما من أنّها نهضت بمهام ثلاث:الأولى:التخلّص من أسر الأسلوب المصنّع،وتخطيه إلى أسلوب دقيق ينضح بالأفكار والمعاني،ويعبر عنها،والثانية:في أنها ركّبت جملة من العناصر السردية تركيبا مختلفا عن المرويات السردية الشائعة التي تقوم على المصادفة والتشويق،وغياب الأسباب،وأخيرا:قامت بما نعتبره أمرا على غاية من الأهمية،ألا وهو التمثيل السردي لقضية اجتماعية معقّدة،وهي:التعارض بين مفهومي الحرية والعبودية،والوصول إلى حل لهذه القضية المعقدة.



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1677


خدمات المحتوى


منقول
تقييم
1.44/10 (92 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.