في
السبت 28 ربيع الأول 1439 / 16 ديسمبر 2017

جديد الأخبار


05-12-1430 04:53 PM


ظلامٌ طويل في "العتمة"


عبدالله السفر

تطوّق دائرةُ الرّصاص روايةَ "العتمة" لسلام عبد العزيز (دار الساقي ـ بيروت، 2009).
نقرأ الجملةَ الأولى في الفصل الأول من الرواية "يرفع المسدس، يحرّك الزّناد" والجملةَ الأخيرة في فصل الختام ص 414 "يدوّي صوتُ انطلاق الرّصاصة"، رصاصُ البداية والنهاية كاشِفٌ تنويريّ لحركة ذهنيّة العتمة عندما تسود بمنطقها الجاهلي البربريّ، فاقِدةً العقلانيّة متصلّبةً عند قيمها البائدة، ترفض التحوّلَ والاستجابة والاندماجَ في روح العصر، لغةُ الرّصاص تنحّي مبدأَ الفهم والتّفاهم، وتعقّلَ مسألةِ وجوب تغيير المعتقدات البالية.
لغةُ العنف استدامةٌ للغة التخلّف وتمكينٌ لبنيتِها الظلامية، تتدفّق فتغرق الوعيَ في مائها الآسن اللزج، رصاصةٌ في قلب من يهمل التّراتبية بين القبائل، ليست كلّ الرؤوس سواء، رصاصةٌ في دماغ من ينسى نقاء الدم، العِرق الأبيض الطّاهر ينبغي أن يحافظ على طُهريّته وبياضه من جائحةِ العِرق الأسود الأدنى، محميّاتٌ قبليّة عِرقيّة ترسم حدودها بالدم المراق، من يهمل أو ينسى، دويُّ الرّصاص لا ينبّهه؛ ينسفه نسفاً من الوجود، دودُ الأرض يتشهّاهُ طعاماُ لا يليق بالحياة.
مخطّط بناء الرواية يقوم على مساراتٍ متعدّدة، جوهريّة وثانويّة، تتواشج فيما بينها لتشكيل ضفيرةٍ نقرأ فيها العتمةَ المطبقة وإنْ كان ثمّة بقعة ضوء فهي الاستثناء الذي يؤيّد العنوان باسطاً جناحيه على خلاصة العمل.
مسار القبيلة وتناقضاتها (العزّة والعنجهية في مقابل خيانة رابطة الدّم والأخوّة)، ومسار العِرق بمقولة النّقاء المفروضة على المرأة وحدها فيما الرّجل ينقضها بالتشريق والتغريب، ومسار العائلة بمسكنها عالي الجدران يخفي خلفه النّدوب والتشققات والشّروخ في الرّوح والجسد، ومسار البيئة المدرسيّة للبنات وما ينتعش فيها ويذبل من علاقات تؤشّر على خلَلٍ يشوّه العواطف ويحرفها عن جهة السّواء، ومسار الوضع الاجتماعي بالمنطقة الشرقية والممارسات المتطرفة البغيضة التي تنتهك كينونة الإنسان ومعنى آدميّته فتدفع إلى فعلٍ انسحابي؛ يتقوقع ويخاصم الوطن.
إنّ تعدّد المسارات وتشعّبها بالأحداث والشخصيّات، إمّا أن يغني العمل الروائي أو يفقره، وكلّ هذا رهنٌ بقدرة الكاتب أو الكاتبة على تسيير دفّة العمل وتوزيعه بدقّة وخلق آصرةِ الانسجام بين الوقائع والشخصيات؛ ظهورا وانفعالاً وتطوّراً.
ورغم أن "العتمة" هي الرواية الأولى لسلام عبدالعزيز إلا أنها لم تعطِ الانطباع بأنه عمل أوّلي يرشح بالثقوب.
فهناك مهارة وتماسك في البناء جعلتْ الرّواية تمضي بسلاسةٍ، وتشويقٍ يحتاجه قارئ رواية طويلة أوفت على أربعمائة صفحة، ومن باب التشويق ـ مثلاً ـ الكشف التدريجي، وعلى فترات محسوبة، عن شخصية حمود؛ الهارب العائد إلى حي العشائر بوجه جديد طالباً الصفح والغفران من زوجته وابنه ومخلِّصاً رقبة مطلق بن فهّاد من سيف الجلاد لحظة القصاص الرهيبة، وهنا أستدرك بالإشارة إلى أن بعض الصفحات شابها قليلٌ من الترجرج والانبساط في الوصف والحوار والإقحام، إلا أن هذا لا ينفي السمة المائزة لتماسك الرواية وعدم انفلاشها في خضم محالة الإحاطة بمجمل المشهد المجتمعي بالمنطقة الشرقية.
من الأدوات الفنية التي مكّنت الروائية من الإمساك بخيوط العمل؛ المحافظةُ على الإيقاع وسَوْسِهِ بانتظام ودون انكسارات؛ موجات تنداح وتتوسّع في محيط الأحداث وتتصاعد نحو احتدام ذروة العمل ارتطاماً بحائط العتمة الشّامخ الشّاسع، يساعدها في ذلك تقسيم الرواية إلى فصول صغيرة (نحو 40 فصلاً بمعدّل عشر صفحات لكل فصل) بعناوين دالّة تساهم في إضاءة أحداث الفصل المُقسّم أيضا إلى وحدات داخلية تقدّم تفصيلا واحدا أو أكثر عن مسارات الرواية على طريقة المشاهد التلفزيونية (سلام شاركت بكتابة حلقة لمسلسل طاش ما طاش منذ سنوات:
"ما بيّن بعينك").
ومن ضمن هذا الإيقاع تعليق السرد والوصف لصالح نمو الشخصية داخليا وتسليط الضوء على الانفعالات والهواجس؛ سبر الجوانب النفسية التي تأتي انعكاسا للظرف الخارجي، ومع هذا السبر يجري تحوّل مناظر في اللغة إذْ تميل للشعريّة والانخطاف نحو الصّور والمجازات بما يكافئ المشهد الجوّاني الذي لن توصله اللغة المحايدة. وأخصّ هنا شخصيّة ثانويّة هي "نشمية" ـ وأعدّها جوهرةَ سلام عبد العزيز في هذه الرواية ـ المتعلقة بمعلمتها أمل إلى درجة الشّطط وأوهام الشّذوذ بفعل الحرمان العاطفي الذي تعيشه في كنف أسرتها. مما يُحسب لـ "العتمة" تطرّقها للمسألة الطائفية ومفاعيلها على الحياة الاجتماعية وظلالها السياسية على كيان الوطن. فالتطرف من جهةٍ والتّعامل مع الآخر باستصغار ودونية وتحقير؛ يراكِم الجراح في الجهة الثانية ويزكّي التخندق على المكوِّن الطائفي بديلاً عن الجامع الوطني، فجيل الآباء الرّاضي المنفتح في علاقاته بقيمه العليا رغم المصاعب والمجابهات (شخصية حبيب بوجعفر) يطويه جيلٌ جديد (شخصية جعفر،الابن) متنبّهٌ لوضعه الحقوقي الذي يراه منقوصاً، وتُشْعرُه الممارسات اليومية بأنه منبوذ فيعمد إلى الانزواء والانعزال داخل حدود صارمة تلغي الارتباط بما هو خارجها؛ فضاء الأسرة والمجتمع. وهنا ينشأ الخطر الذي يسمح لجهاتٍ معيّنة باستغلاله وتوظيفه لغايات سياسية تحت غطاء المذهب.
الأب حبيب يعرف الخطر وأبعاده فيحكم ردود أفعاله بهذه المعرفة، لكنّ الرمضاء التي احتوشت الابن جعفر تجعله يسير في طريقٍ آخر مخلّفاً وراءه العمرَ والصّحبة والألق: "يترك خلفه رمضاءَ
وطنٍ استشعر أنه لم يحتضنه ولم يظلّه بمظلّته".
الرواية تضع جسد المجتمع على طاولة التشريح ويغوص المبضع إلى حيث العلل الكثيرة والمزمنة تصفّح العقول بالعتمة وتحجب عنها النّور؛ يغوص المبضع ضاجّاً بالسؤال لعل هزّة الصحوة تنفض الظلام "فأين هي الشمس التي ستشرق".


0 : عدد التعليقات


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 979


خدمات المحتوى


منقول / الوطن
تقييم
1.00/10 (8 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.