في
الخميس 2 ذو الحجة 1438 / 24 أغسطس 2017

جديد الأخبار


05-12-1430 03:19 PM

الخريطة السردية والمجتمع والسياسة (1)

احمد الواصل

باعتبار أن المثقفين والمثقفات ، في مختلف مجالاتهم الإبداعية والعلمية ، ومستوياتهم الأدبية والنقدية والتحليلية ، أهل إنتاج المعرفة ، فهم علامة على وجود وتطور ، وربما انهيار وانحطاط ، حركية القوى الثقافية اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً .

تنقسم هذه القوى الثقافية في عالم الفكر الإنساني، وإن كانت تسمية القوى الاجتماعية أدق علمياً ، إلى نوعين محددين في دوريهما ، بين منتجي أفكار ومتداوليها ، سواء كانت هذه الأفكار إبداعية ( جماليات) أو نقدية (تحليلية) أو علمية ( كنتائج )، وبين معيدي تدوير هموم وتكديسها.

الحركة الثقافية تتسم في حركيتها التراكمية والتزامنية عبر دائرية الحذف والإضافة للرؤى والاستنتاجات ، ولكن تبقى في قبضها لجمرة القيم الإنسانية الكبرى ( الحق والعدالة والحرية..إلخ).

الآداب والفنون كلها تعد من مصادر الأفكار الإنسانية ، إضافة إلى العلوم والفلسفات.

إذا صار الشعر أحد مصادر المعرفة الجمالية والنفسية والاجتماعية في إطار قد يتسم بالفردية ، وينحو إلى الكثير من تغيرات الشكل والمضمون عبر دائرية التحول والتشكل كذلك توازي المضمون مع التجربة في تطوراتها واختراقاتها . فإن فنونا كتابية أخرى تتسع للمزيد من التجربة الإنسانية لا تقف عند الآداب والفنون نفسها فقط.

وجوه السرد

السرد والقص من الآداب المنفرطة من فن الحكاية ، وفن السالفة/ السوالف والحزوية / الحزاوي والحَدْوَتة / الحواديت والخَرْيفة / خرايف ، والحكي بين الشفوي الحدثي واللحظي ، وبين التدويني التاريخي والسيري وصولاً إلى فنون الحكي المتعددة من سرديات الأساطير ( ديني وتقديسي) والخرافات ( عجائبي وغرائبي) مروراً بالأمالي والمقامات وصولاً إلى سرديات السير النبوية والسلطانية والفئوية حتى انبثاق القصة القصيرة والرواية في عصرنا الزائل!

إنتاج الرواية العربية يتسم بحيوية إذا ما تناولنا التجربة الروائية في مجمل تطوراتها كإحدى نتاجات الثقافة العربية شمولياً لا قطرياً ، فإن الخريطة السردية العربية غنية بالكثير في مسارات الإنتاج خلال أكثر من قرن ، ولا زالت تضيف عبر تجارب

متعددة من أقطار عربية مختلفة.

خاضت التجربة السردية عبر الرواية الكثير من التحولات في أساليب واتجاهات متباينة ، فمنها متقاطعة ، وبعضها متصادمة ، وهذه طبيعة لحركية الإبداع الإنساني.

فإذا بدأت الرواية العربية كشكل فني ، وليس السرد العربي فأمره آخر ،خلال الثلث الأول من القرن الماضي ، وقليلاً من نهايات سابقه ، ما يتفق على تسميته ب"رواية الأفكار" (فرح أنطون وفرنسيس المراش وهيكل وجبران)، فإن الجسر الذي انتقلت به نحو رواية التاريخ عبر (أعمال جرجي زيدان وبدايات نجيب محفوظ) ثم رواية التجربة عبر حداثات تطور المجتمع العربي (محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف عواد) ولكن ستطلع في أماكن عربية أخرى كتابات سردية تعنى بالشأن المحلي تداور في فلك رواية الهموم (كتابات الجزيرة والمغرب العربيين)، وإن كان هذا لن يستمر طويلاً.

واكبت الكتابة السردية في اتجاهاتها السردية ، والنقدية فيما بعد بحسب الاتجاهات الإيديولوجية من واقعية وسواها، الحركة الاجتماعية والسياسية بين حركات التقدم وطموحاته ثم حركات التحرر والكفاح وصولاً إلى الاستقلال الوطني مروراً بالحروب والهزائم العربية (فلسطين بين إسرائيل والدول العربية) ثم صعود الإيديولوجية الأصولية على حساب التفكك والانعزال العربي ما أدى إلى استئناف الانهيارات الجديدة (العراق والسودان) واستعادة تهديد الاستعمارات الجديدة من أمريكية وإيرانية..

كل تلك الأحداث واكبتها الكتابة السردية ، وعليها تطور الحركة النقدية.وتمثلت في الرواية العربية طرقها الخاصة حيث تكونت الأساليب الروائية ، وهي :

الأسلوب الدرامي : وفيه يسيطر الإيقاع بمستوياته المتعددة ، ويعقبه المنظور في الأهمية ، ومثاله في رواياتنا "يوم قتل الزعيم " لنجيب محفوظ . وهي رواية سياسية كما هو معروف ، والقراءة السردية بطبيعتها جمالية ، والذي يبدو أن العلاقة بين الجمالي والسياسي معقدة إلى درجة كبيرة ، فلا يكفي أن نقول : إن الخطاب الروائي السياسي يثير في العادة اهتماما غير جمالي في جوهره ، أو أن السياسة تعتمد على التغيرات التي سرعان ما تنطفئ جذوتها ؛ إذ إن العمل عندما يكون مستوفيا للشروط الفنية فلا بد أن يستثير عند تلقيه اهتماما غير نفعي ولاموقوت بما يكمن فيه من عناصر شعرية وعندئذ تتصل به دائرة الوعي الجمالي بشكل يتجاوز معطياته الجمالية .

الأسلوب الغنائي : وفيه تكون الغلبة للمادة الخالية من توتّر الصراع ، ويعقبها المنظور ، فالإيقاع . ومثاله رواية "الآن... هنا" لعبد الرحمن منيف ، والتي تقتطع شريحة خاصة من حياة شعوب الشرق الأوسط وتستصفي مكوناتها وطبقاتها الثقافية والاجتماعية ، لتبقى على خيط وحيد هو السياسي المباشر ، بغية تأسيس وعي حاد وعمق بإشكاليته المتفاقمة .

الأسلوب السينمائي : وفيه يفرض المنظور سيادته على ما سواه من ثنائيات ، ويأتي بعده الإيقاع . ومثاله عند رواية " ذات" ، لصنع الله إبراهيم ، وفيها ينجح الروائي نجاحا كبيرا في كسر تراتب عالمي الحكاية، حيث تتحرك الأشياء والأشخاص طبقا لقوانين محددة ، وعالم اللغة، حيث تخضع الجمل لمجموعة من القواعد النحوية التي تفرض عليها نظاما خاصا ، وينجح صنع الله إبراهيم في كسر تراتبية هذين العالمين من خلال التقنية التوثيقية التي يوظفها ، وتلصق إلى جوارهما عالما ثالثا يتم عرضه بالتناوب مع العالم الأول الحكائي ، عبر لغة لا تنتمي إلى الراوي ولا إلى الشخصيات ، وإنما هي جذاذات تمثل نصوصا صغيرة يتم التصرف في تسلسلها الزمني والسببي كي تسفر عن دلالات مسبقة ، مما يقتضي اجتزاءها من سياقها وقطعها عن محيطها وقسرها عن أداء هذه الدلالات.لكن المشكلة الرئيسية التي تمثلها هذه الجذاذات أنها بالرغم من انسجامها في كثير من الأحيان فإنها تظل من وجهة النظر السردية نتفا مشتتة من مئات الحكايات التي لم تتم ، يقوم المؤلف بإدخالها في نسيج مقطعي جديد ومصطنع ؛ مما لا يوحي بالثقة ولا يضمن صدق التمثيل الموضوعي للواقع الخارجي. (فضل ، 2003)

الأسلوب الأسطوري : وهو مرتبط بمنبعين ما بين التدوين التاريخي السيري والعجائبي ، وهذا استفاد منه جمال الغيطاني في رواياته وصولاً إلى دفاتر التدوين التي تجاوزت أجزائها الستة في تواليها ثم دخل هذا المعترك واسيني الأعرج مؤخراً ، والآخر هو منبع المكان وتاريخه مختلطاً بالتاريخي المقدس والشجن الصوفي متمثلة في كتابات وقعها كل من إدوار الخراط ورجاء عالم.

وعليه لا تنتهي حالة رصد الأساليب العربية ، فهي عرضة للتجدد والتداخل ، والتماوت والكمون ، فيما يتجه بعضها الآخر إلا الاستنفاد والاستهلاك.

ويكمن في التجربة الإنسانية العربية الكثير مما يمكن أن يغذي الرواية العربية ، باعتبارها من الإنتاج المعرفي الإبداعي ، وربما تقع الرواية في أزمة سببها حالة المجتمع المشتبكة في واقع مرتبك يمر بمخاض عسير بين السياسي والاقتصادي.

دور الرواية مزدوج فقد وضع تجربة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإيديولوجية على مسرح التاريخ وحاضره مقابل أنه وضع ذهنية الكتابة اللاحقة ، من كتابات انطباعية ونقدية وتحليلية ، على فرجة الحال الثقافي وأزمة الذاكرة الجماعية.

وهذا ما سنتناوله عبر الموقف النقدي من السرديات العربية ، بالأخص : الرواية. الرواية مغرية للنقد ، ولكنها فضاحة ، وهذا ما غفلت عنه الكتابات النقدية ، وتهويلاتها ، وترويجاتها ، وقبل هذا كله كشفت عن نفسية وأمراض النقاد قبل نقدهم!

المراجع:

1-أساليب السرد في الرواية العربية ، صلاح فضل ، دار المدى – 2003.

2-الذاكرة القومية في الرواية العربية ، فيصل دراج ، مركز دراسات الوحدة العربية -2008.

email mark

--------------------------------------------------------------------------------
رابط الخبر : http://www.alriyadh.com//article427372.html
--------------------------------------------------------------------------------
هذا الخبر من موقع جريدة الرياض اليومية www.alriyadh.com

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1010


خدمات المحتوى


أحمد الواصل / الرياض 13 / 5/1430
تقييم
1.20/10 (107 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.