في
الإثنين 18 ربيع الثاني 1438 / 16 يناير 2017

جديد الأخبار


07-03-1437 06:03 AM

نشأة المسرحية وتاريخها


في الأدب الغربي

أقدم المسرحيات التي عرفها الأدب الغربي هي المسرحيات الإغريقية، وكان لنشأتها في بلاد اليونان علاقة بعقائدهم (حيث كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة). وكان من آلهتهم التي قدسوها "ديونيسوس" أو (باخوس) إله النماء والخصب وبخاصة العنب والخمر، وقد اعتادوا أن يقيموا له حفلين أحدهما في أوائل الشتاء، بعد جني العنب وعصر الخمور، ويغلب عليه المرح وتنشد فيه الأناشيد الدينية، وتعقد حلقات الرقص، وتنطلق فيه الأغاني، ومن هذا النوع المرح نشأت الملهاة (الكوميديا)، والحفل الثاني في أوائل الربيع حيث تكون الكروم قد جفت وتجهمت الطبيعة، وهو حفل حزين ومنه نشأت المأساة (التراجيديا) وكان التمثيل اول الأمر لا يعدو بعض الرقص والأناشيد الجمعية، والأغاني التي تعبر عن حزنهم لغياب الآله والابتهال إليه أن يعود ثانية، ثم مثل شخص ديونيسوس فكانت الجوقة تشير إليه وهو على مسرح مرتفع، ثم أدخل الحوار بينه وبين الجوقة، ثم مثلت شخصيات أخرى يرد ذكرها في الأغاني والأناشيد. وكان الممثلون يظهرون على نشز وسط قومهم على هيئة البشر في نصفهم الأعلى وصور الماعز في نصفهم الأسفل، ومن هنا اشتقت لفظة (تراجيدي) أي المأساة وهي مركبة من كلمة (أغنية) وكلمة (الجدي) تركيباً مزجياً.

وأخيراً وضع "أسخيلوس" 525 – 456 ق.م أول مسرحية شعرية وهي الضارعات سنة 490 ق.م ، وكان فيها ممثلان رئيسيان بجانب الفرقة، ثم توالى نتاجه المسرحي إلى أن ظهر "سوفوكليس" الشاعر اليوناني الكبير 495 – 416 ق.م ، وأضاف ممثلاً ثالثاً إلى الممثلين اللذين أدخلهما أسخيلوس وقوى جانب التمثيل على جانب الغناء، وقد أدى هذا إلى تقدم سريع في الحوار المسرحي بدل ترانيم الجوقة، وأتاح فرصاً أكبر للتباين بين الأشخاص، وسمح بألوان متنوعة من الحوادث، وفوق كل شيء فقد حمل الذين يكتبون للمسرح على مزيد من العناية بالفن المسرحي.

ويعتبر اليونان أول من اهتم بالمسرح، ووضع له نظاماً خاصاً، وعنهم أخذ العالم هذا الفن.

وكما أن المسرح ابتدأ عند اليونان من اصل ديني فكذلك ابتدأ لدى الانجليز.
ولما كانت جمهرة الشعب حينذاك أمية لا تقرأ، فكر رجال الكنيسة في تقريب قصص التوراة لأذهانهم بوضعها في صور تمثيلية، وهنا يبتدأ ما يسمى في تاريخ الأدب (بتمثيل المعجزات) (مثل قتل هابيل ومولد المسيح وصلبه، وإقدام إبراهيم على ذبح والده وطوفان نوح ويوم الحساب وأنباء القديسيين المسيحيين..الخ) وكان ذلك في نهاية القرن الثاني عشر وأوائل الثالث عشر.

ثم أدخل على موضوع هذه المسرحيات الدينية شيء من الأخلاق كالعدل والسلام والصدق والكذب، وأخيراً استقلت المسرحية (الخلقية) عن مسرحية المعجزة حينما استطاع الناس أن يقرءوا التوراة بأنفسهم، ولم يعودوا في حاجة إلى تمثيل قصصها لهم.

وكانت المسرحية الخلقية درساً في الأخلاق يعطى على أيدي ممثلين قولا وعملا، وهؤلاء يمثلون أشياء معنوية كالخطيئة والعدل والصدق والكذب والذكاء والغباوة.

واستمرت المسرحية الخلقية حتى أوائل القرن السابع عشر، ثم أخذ الناس يملون النصائح والمواعظ الخلقية، ويطلبون معالجة مشكلات الحياة ورؤية شخصيات مألوفة. وقد نشأ في القرن السادس عشر نوع جديد من المسرحيات، كان يمثل في حفلات الطبقات العليا ومآدبها ليملئوا به الفراغ بين مرحلتين من مراحل الحفل لتسلية الحاضرين وإدخال المسرة على قلوبهم وكان يسمى (رواية الفترة). وهي مسرحية قصيرة مليئة بأسباب المرح.

وأنشى أول مسرح حقيقي مستقل بذاته عام 1576 على مقربة من لندن، ونهض المسرح الإنجليزي بعد ذلك نهضته العظيمة على يد شكسبير ( 1564 – 1616 م ).



في الأدب العربي

أشار هيرودوت المؤرخ الإغريقي إلى قيام كهنة مصر الفرعونية بطقوس دينية في شبه عرض تمثيلي يستمد قصصه من بحث إيزيس عن أوزوريس، بيد أنه لم يذكر لنا أدلة أو يسوق شاهداً أو نصاً، وظل أمر المسرح الفرعوني غامضاً حتى أتى الكشف الحديث الذي قام به (كونتز) في سنة 1932، و (كورت) عام 1938، وسليم حسن سنة 1937، فبين لنا أن ثمة نصوصاً تمثيلية قديمة بعضها يقع في اربعين مشهداً كتلك التي اكتشفها كورت. وتدور حوادثها حول إيزيس وأوزوريس وابنهما حورس وعدوهم ست إله الظلام، وقد ظلت تمثل إلى زمن هيرودوت أي إلى القرن الخامس قبل الميلاد ولم تكن قصة ساذجة بل كانت كبيرة المغزى، وكنا رجال الدين يقومون بالتمثيل.

(هي نفس الأسطورة التي نسج حولها توفيق الحكيم مسرحيته إيزيسوس وسأقوم بعرضها إن شاء الله ..)

وقد ذكر هيردوت أن الإغريق قد أخذوا فن المسرحية عن الفراعنة وإن لم يتطور عندهم ويخرج عن النطاق الديني. وهناك سمات متشابهة بينهما فأوزوريس الإله المصري القديم ودنيسوس يرمز كل منهما إلى الخصب والنماء.

لم يقف المسرح المصري القديم على عتبة المعبد بل خرج إلى الشعب، وكان يقوم بالتمثيل فرق متجولة ويدخله بعض الرقص والغناء ثم قضى على هذا المسرح المصري وانمحت معالمه في مصر اليونانية والرومانية، ولا سيما بعد ظهور المسيحية لاتصاله الوثيق بالوثنية.

ولما دخل العرب مصر، واعتنق أهلها الإسلام، وتعلموا العربية، صار الأدب العربي أدباً لهم، وإذا بحثنا في الأدب العربي وجدنا كثيراً من أصول الأدب المسرحي، بيد أنها لم تتم وتتطور كما تمت عند الأمم الأخرى.

وقد كان الشيعة يمثلون مقتل الحسين في قصة تبتدئ بخروجه من المدينة إلى أن قتل في كربلاء، وكانت القصة تمثل في ساحة واسعة ضربت فيها الخيام واتشحت بالسواد، ويقوم شيخ يثير شجون الناس بذكر ما لاقاه الحسين وآله في نغم حزين يهيج العواطف ويستدر الدموع، ويطوف على الناس بقطعة من القطن يلتقط فيها دموعهم ثم يقطرها في زجاجة تحفظ للاستشفاء، وينتهي التمثيل بحرق أعشاش في جوانب الساحة التي مثلت فيها القصة، وهذه الأعشاش ترمز إلى كربلاء، ويظهر قبر الحسين عليه السلام مجللا بالسواد.

ثم نجد نوعاً آخر من الظواهر التمثيلية في ورايات خيال الظل أيام الأيوبيين والمماليك، وكانت هذه الروايات أول الأمر ملهاة الطبقة العليا من الشعب وأقدم ما وصل إلينا من النصوص التي ورد فيها ذكر خيال الظل ما ذكره المرادي في سلك الدرر للسيد أحمد البيوتي من رجال القرن السادس الهجري:


أرى هذا الوجود خيال ظل *** محركه هو الرب الغفور
فصندوق اليمين بطون حوا *** وصندوق الشمال هو التبور


ومن أشهر من ألف روايات لخيال الظل وابتدع فيه نمطاً جديداً هو ابن دانيال الكحال المتوفى في سنة 710 هـ ، وله رواية اسمها (طيف الخيال) .

وكان من اليسير أن يتطور هذا الفن وينمو، ويخرج من خيال الظل إلى المسرح ومن الحوار إلى الحركة لو أن العصر كان عصر قوة ونهضة، ولكن مصر كانت تنحدر كل يوم في مهواة الجهل والفاقة على أيدي المماليك والأتراك إلى أن نزلت في قاع الهاوية.

ومهما يكن من أمر فإن المسرحية الحديثة كما عرفتها أوربا لم تدخل مصر إلا بعد عصر النهضة وبعد اتصالها بالأدب الغربي.


في الأدب المصري الحديث

لم تبدا العناية بالمسرح إلا في عصر إسماعيل، وكان مغرماً بتقليد الحياة الأوربية، ولا بدع فقد تربى في فرنسا صغيراً فكان كل همه أن يحاكي الحياة الأوربية، ويود لنفسه ورجال حاشيته والطبقة الحاكمة وسائل اللهو والمتعة، ومن أهم ما عنى به المسرح، فافتتح مسرح الكوميدي، عام 1969 لأول عهدد بالحكم حين احتفل بافتتاح قناة السويس، ثم أنشأ مسرح (الأوبرا) في العام نفسه ومثل فيهما جماعة من الممثلين والممثلات الذي أحضرهم من أوربا ، وأول مسرحية مثلت في الأوبرا هي (ريجوليتو) ثم كلف اسماعيل مريت باشا بوضع أوبرا مصرية يستقى حوادثها من التاريخ المصري القديم. فأشرك مريت معه اغيسلانسوني الإيطالي في تأليف (عائدة) ولحن موسيقاها (فردى).

وأول من أدخل الفن المسرحي في البلاد العربية هو مارون نقاش اللبناني الذي اقتبسه من إيطاليا حين سافر إليها في سنة 1846 ، وابتدأ تمثيله باللغة العربية الدارجة، وكانت أولى المسرحيات التي قدمها لجمهوره العربي في بيروت هي رواية "البخيل" المعربة عن موليير وذلك في اواخر سنة 1847 ثم قدم روايته الثانية (أبو الحسن المغفل او هارون الرشيد) في سنة 1849 .

أما في مصر فأول مسرح عربي أنشيء بها هو ذلك الذي قام به يعقوب بن صنوع. بالقاهرة في يوليو سنة 1876 وقد اقتبسه كذلك من إيطاليا التي درس بها ثلاث سنوات. وكان يجيد عدة لغات مكنته من أن يدرس هذا الفن دراسة متقنة، وقد مثل في خلال سنتين عاشهما مسرحه اثنتين وثلاثين مسرحية ما بين مقتبس من الأدب الغربي صبغه صبغة محلية، وما بين موضوع يعالج مشكلات اجتماعية.

وقد شجعه إسماعيل وأثابه على جده في وضع المسرحيات وإخراجها وتمثيلها، وحضر بعض مسرحياته ولقبه بموليير مصر.

وكانت فيه جرأة، ورغبة جامحة للإصلاح، فانتقد بعض الأمراء وسخر منهم ومن الأداة الحكومية؛ وندد بظلم إسماعيل وتعسف الحكام في عهده وبخاصة في مسرحية الوطن والحرية مما أثار عليه حفيظة الطبقة الحاكمة وعلى رأسها إسماعيل فأمر بإغلاق مسرحه.

ثم وفد إلى مصر من لبنان سليم النقاش في أواخر سنة 1876 ، تصحبه فرقة تمثيل، ومسرحيات عمه مارون نقاش: "البخيل" و "ابو الحسن المغفل" و "السليط الحسود" وترجم "اوبرا عايدة" إلى اللغة العربية محافظا على طابعها الغنائي، واقتبس من الفرنسية هوراس لكورني وميتردات لراسين.

وقد شجعه اسماعيل على تكوين فرقته والقيام بالتمثيل وابتدأ عمله في الاسكندرية وهناك دعا إلى صديقه أديب اسحق ليشد أزره، وكان أديب قد ترجم من قبل مسرحية "أندروماك" لراسين، فلما قدم الاسكندرية قدماه لمسرح نقاش، ثم ترجم مسرحية "شارلمان" وقد أعجب بها المصريون كثيرا ثم اشترك مع سليم النقاش في تأليف المسرحيات وتمثيلها بيد أنهما وجدا بعد فترة أن عملهما هذا لا يعود عليهما بربح، وأنهما لم يصادفا من النجاح ما يبشر بمستقبل باسم، فانصرفا إلى الصحافة سوياً، واتصلا بالسيد جمال الدين الأفغاني، تاركين فرقتهما إلى يوسف خياط الذي عمل معه الشيخ سلامة حجازي في مستهل حياته التمثيلية، كما عمل مع سليمان القرداحي الذي استقل بفرقته عن يوسف خياط.

ومن الذين عنوا بالمسرح والترجمة له محمد عثمان جلال وكان ينقل من الفرنسية ويضفي على مسرحياته روحاً مصرية خالصة. وكان بحق يسمى أبا المسرحيات الوطنية في العصر الحديث.

ومن أوائل المسرحيات التي كتبت شعراً مسرحية (المروءة والوفاء) لخليل اليازجي سنة 1786 وقد مثلت على مسرح بيروت عام 1888 . ثم انتقل المسرح المصري إلى طور جديد بقدوم أحمد أبو خليل القباني وفرقته المسرحية من دمشق إلى مصر في يونية سنة 1884 ، لأن المسرح ظل إلى أن جاء القباني معتمداً في الغالب على المسرحيات الأجنبية المعربة سواء مصرت أو لم تمصر، فلما جاء القباني اتجه نحو التاريخ العربي والاسلامي فوضع مسرحيات: عنترة والأمير محمود نجل شاه العجم، وناكر الجميل، وهارون الرشيد ، وأنس الجليس، ونفح الربى، والشيخ وضاح، وغيرها، وقد امتاز أسلوبه في تلك المسرحيات بأنه كان أرقى لغة وأقرب إلى العربية الفصحى، وقد استعمل السجع والشعر معاً، على أن مسرحياته كانت أوهى حبكة وأضعف سياقا من المسرحيات المعربة.

وعلى هذا النمط ألفت عدة مسرحيات في تلك الحقبة، وفي هذه الفترة حاول أحمد شوقي وهو بعد طالب في باريس كتابة المسرحيات مثل مسرحية علي بك الكبير ولكنه لم يظهرها للجمهور في ذلك الوقت، وربما كان من أسباب هذا أنه لم يكن راضياً عنها كل الرضا، أو أن الجمهور لم يكن مستعدا في رأيه لتلقي مثل هذه الرواية تلقيا حسنا، وهي تختلف عن مسرحية علي بك الكبير كما ظهرت فيما بعد بعض الاختلاف.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 137


خدمات المحتوى


أستاذة المقرر
تقييم
1.00/10 (1 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.