في
الأحد 27 جمادى الثاني 1438 / 26 مارس 2017

جديد الأخبار


03-01-1436 10:57 AM

الأسطورة
و هي القصة المقدسة التي كان أصحاب الحضارات السابقة يؤمنون بها على أنها كتبهم المقدسة نوعا ما.

مميزاتها

تتميزالأسطورة بعمقها الفلسفي الذي يميزها عن الليجندة مثلا أو الحكاية الشعبية. كانت الأسطورة سابقا كما العلم الآن أمرا مسلما بمحتوياته.



في معظم الأحيان تكون شخوص الأسطورة من الآلهة أو أنصاف الآلهة وتواجد الإنسان فيها يكون مكملا لا أكثر.



تحكي الأسطورة قصصا مقدسة تبرر ظواهر الطبيعة مثلا أو نشوء الكون أو خلق الإنسان وغيره من المواضيع التي تتناولها الفلسفة خصوصا والعلوم الإنسانية عموما.

الأساطير متنوعة في مواضيعها، فهناك من يرى أنواعها خمسة و هي :

الأسطورة الطقـوسية : وهي تمثل الجانب الكلامي لطقوس الافعال ألتي من شأنها أن تحفظ للمجتمع رخاءه.

أسطورة التـــكوين : وهي التـي تصور لنا عملية خلق الكون.

الأسطورة التعليلية : وهي التي يحاول الإنسان البدائي عن طريقها، أن يعلل ظاهرة تستدعي نظره، ولكنه لا يجد لها تفسيراً، ومن ثم فهو يخلق حكاية أسطورية ، تشرح سر وجود هذه الظاهرة.

الأسطورة الرمزية : وهي إلا أن تنوع الأساطير ، يؤدي حتماً إلى تنوع تعاريفها، لأن كل تعريف يتأثر بنوع الأسطورة، أو بنوعين أو ثلاثة أنواع، ولذا يبقى التعريف قاصراً عن أن يكون جامعاً مانعاً.

2- إن تنوع الأساطير أدى إلى تنوع المناهج التي تتناول الأساطير بالدراسة، فلذا ظهرت المناهج التالية :

المنهج اليوهيمري:الذي يعد من أقدم تلك المناهج، ويرى الاسطورة قصة لأمجاد أبطال وفضلاء غابرين.

المنهج الطبيعي:الذي يعتبر أبطال الأساطير ظواهر طبيعية، ثم تشخيصها في أسطورة، أعتبرت بعد ذلك قصة لشخصيات مقدسة.

المنهج المجازي: بمعنى أن الاسطورة قصة مجازية، تخفي أعمق معاني الثقافة.


المنهج الرمزي:بمعنى أن الاسطورة قصة رمزية، تعبر عن فلسفة كاملة لعصرها، لذلك يجب دراسة العصور نفسها لفك رموز الأسطورة.


المنهج العقلي:الذي يذهب إلى نشوء الاسطورة نتيجة سوء فهم ارتكبه أفراد في تفسيرهم، أو قراءتهم أو سردهم لرواية أو حادث.


منهج التحليل:النفسي الذي يحتسب الاسطورة رموزاً لرغبات غريزية وانفعالات نفسية.

وإن علم ال ميثولوجيا، حتى الآن، لم يصل إلى مرحلة النضج التي تؤهل مدارسه المتنافرة، المتعارضة للإندماج.



3- إن للأسطورة جوانب متعددة ومتنوعة، فهي إن صح التعبير - كما وصفها البعض أنها متاهة عظمى، فلذا نجد الكثير ينطلق في تعريفه متأثراً بجانب أو عدة جوانب منها فتبدو التعريفات قاصرة، وقد نجد العكس حيث يلجأ البعض إلى تعابير فضفاضة تمتاز بالتعمية والمطاطية إلى حد يفقدها الدقة والتشخيص والتمييز.




4- إن للأسطورة خاصية الشعر الذي يكاد يظل عصيا على أي وصف محدد، ولعل صعوبة الحد والتعريف كامنة في المطلق الذي تنزع إليه الأسطورة أو الذي ينزع إليه الإنسان من خلال الأسطورة، كما قد يكمن في كونها على حد تعبير بعضهم نظاما رمزياً، وفي أن المنهج أو المنظور الذي يتعين النظر اليه منها لا ينبغي أن يكون جزئياً انتقائياً حيال هذه الحقيقة الثقافية المعقدة ) .ناهيك عن اننا لم نمر بتجربة الأسطورة مروراً مباشراً، عدا بعض منها، وهو بعض مشوش الأصل، متلون الشكل، غامض المعنى، والظاهر أنها على الرغم من امتناعها على التفسير العقلاني، تستدعي البحث العقلاني الذي تعزى إليه شتى التفسيرات المتضاربة، والتي ليس فيها، على كل حال، ما يستطيع تفسير الاسطورة تفسيراً شافياً .



5- إن القدماء أنفسهم لم يعملوا على تمييز النص الأسطوري عن غيره، ولأهم دعوه باسم خاص يساعدنا على تمييزه بوضوح بين ركام ما تركوه لنا من حكايا وأناشيد وصلوات وما إليها. ففي بيوت الألواح السومرية والبابلية، نجد أن النصوص الأسطورية مبعثرة بين البقية. ثم أن عنوان الاسطورة غالباً ما كان يتخذ من سطره الإفتتاحي الأول، شأنه في ذلك شأن بقية النصوص الطقسية أو الملحمية أوالأدبية البحتة. وهذا ما حدث في التراث الإغريقي كذلك .



6- اشتراك جنس أجناس أدبية أخرى مع الأسطورة في بعض عناصرها، مثل الخرافة، اللامنطق، اللامعقول، اللازمكان في بعض الأحيان، فلذا أرى من الضرورة بمكان، أن نحاول التوصل إلى إيجاد معايير، يمكن أن نفرق بها بين الأسطورة و تلك الأجناس ، قبل الشروع في محاولة لصياغة تعريفات تختص بالاسطورة دون غيرها . فالخرافة هي الحديث المستملح المكذوب، وقالوا حديث خرافة، ذكر ابن الكلبي قولهم حديث خرافة، أن خرافة رجل من بني عذرة، أو من جهينة، إختطفته الجن، ثم رجع إلى قومه، فكان يحدث بأحاديث مما رأى يعجب منها الناس فكذبوه، فجرى على السن الناس ، وروى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: (وخرافة حق ) وفي حديث عائشة قال لها حدثيني، قالت ما أحدثك حديث خرافة والراء فيه مخففة ولا تدخله الألف واللام لأنه [ أسم خرافة ] معرفة، وتوضع أل [ الخرافة أو الخرافات ] إذا أرادوا الخرافات الموضوعة من حديث الليل، أجروه على كل ما يكذبونه من الاحاديث وعلى كل ما يستملح ويتعجب منه وراوي الخرافة والمستمع إليها على حد سواء يعرفان منذ البداية، أنها تقص أحداثاً، لا تلزم أحداً بتصديقها، أو الإيمان برسالتها.وهي تختلف عن الأساطير في أن الخرافة تناقلها الناس بلغتهم الدارجة، في الوقت الذي احتفظت فيها الأساطير بلغة فصيحة. كما أن الأسطورة ترجع إلى ما قبل الأديان، أما الخرافة فقد ظهرت بعد الوثنية ، ولذا يغلب عليها الطابع التعليمي والتهذيبي والبطل في الحكاية الخرافية يكون نموذجاً متخيلاً بعيداً عن الواقع إلى درجة لا يصلح لأن يكون مثالاً يحتذى به على أي صعيد. فالمزج الصبياني بين اللامعقول و الواقع، يتميز في الجني الذي لا يعرف من أي مكان يأتي عندما يفرك علاء الدين المصباح، وبعد أن ينهي مهمته، يرجع ولكن لا يعرف إلى أين ويقصد بها الإمتاع والمؤانسة. ولكنها ذات بنية معقدة، فهي تسير في إتجاهات متداخلة، ولا تتقيد بزمان حقيقي أو مكان حقيقي.



أما الحكاية البطولية، فهي تتسم ببعض ما تتسم به الخرافة من إغراق في الخيال، وبعدها عن الواقع، إلا أن لها أصلاً في الحقيقة الموضوعية، ضخّم وبولغ فيه، وعمل الخيال البشري الخلاق عمله، غير أنه خال من طابع الجد والقداسة، فهي قصص دنيوية وغير مقدسة، ومحددة تحديداً زمانياً ومــكانياً، وهو ما يبرر قيام الباحث، بالعملية العكسية، أي الصعود من الأدب إلى الأسطورة .



وأن البطل فيها، ولما يملك من القوة الخارقة ولما يقوم به من تصرفات فروسية، يشكل صورة مثالية عن الإنسان ، وعن ما هو إنساني، يستثير الرغبة في السامع إلى تحقيق هذه الصورة المثالية.



وهناك الحكاية الشعبية التي يميزها هاجسها الإجتماعي بشكل رئيسي عن الحكاية الخرافية والحكاية البطولية، فموضوعاتها تكاد تقتصر على مسائل العلاقات الإجتماعية والأسرية منها خاصة، مثل زوجة الأب وحقدها، وغيرة الأخوات في الأسرة من البنت الصغرى التي تكاد تكون في العادة الأجمل والأحب…الخ.



والحكاية الشعبية واقعية إلى أبعد حد وتخلو من التأملات الفلسفية والميتافيزيقية، مركزة على أدق التفاصيل وهموم الحياة اليومية، وهي رغم استخدامها لعناصر التشويق، إلا أنها لا تقصد إلى إبهار السامع بالأجواء الغريبة، أو الأعمال المستحيلة، ويبقى أبطالها أقرب إلى الناس العاديين الذين نصادفهم في سعينا اليومي، وأن البطل فيها يلجأ إلى الحيلة والفطنة والشطارة للخروج من المأزق.



إن استخدام العناصر الخيالية - في بعض الاحيان - يهدف إلى التشويق والإثارة. أما بنيتها فتمتاز بالبساطة، فهي تسير في إتجاه خطي واحد وتحافظ على تسلسل منطقي، ينساب في زمان ومكان حقيقي، ولها رسالة تعليمية، تهذيبية، وذلك مثل جزاء الخيانة، فضل الإحسان، مضار الحسد،التي تتضمن رموزاً تتطلب التفسير، ومن المؤكد أن هذه الاساطير قد ألفت في مرحلة فكرية أكثر نضجاً ورقياً.



أسطورة البطل الإله : وهي التي يتميز فيها البطل بأنه مزيج من الإنسان والإله ، (البطل المؤله) الذي يحاول بما لديه من صفات إلهية أن يصل إلى مصاف الآلهة، ولكن صفاته الإنسانية دائماً تشده إلى العالم الأرضي.
بينما نجد الدكتور : أحمد كمال زكي يقسمها إلى أربعة أنواع هي :الأسطورة الطقوسية.

الأسطورة التعليلية.


الأسطورة الرمزية.

التاريخسطورة، وهي تاريخ وخرافة معاً.


هذه التقسيمات تتناول الأسطورة قديما، فنحن الآن في هذا العصر نمتلك نوعاً جديداً من الأساطير، ذلك هو الأسطورة السياسية، التي لعبت وتلعب دوراً في صناعة الأيديولوجيات ألتي تخدم أغراضها، بخلقها الوعي الزائف، باعتمادها على الظلال السحرية للكلمة. عة]] تنسب إلى الكائنات غير العاقلة وتعطيها صفات الكائنات العاقلة كالنطق والحركات المقصودة مما يجعل منها محددات للإيمان الشعبي في العصور التي كانت تنتشر فيها هذه الأساطير.

أهم الأساطير

من أهم الأساطير التي في بلاد الرافدين أسطورة جلجامش التي تتناول موضوع الخلود، وتحتوي في ألواحها أيضا قصة الطوفان التي جاء ذكرها في التوراة والقرآن. ويقال أيضا انه مثلث الشيطان لاعتقاد القدماء بأن تلك البقعه من الأرض اتخذها الشيطان(برمودا) وأقام عرشه هناك وقد سمعت بعض الإشارات الغريبة من طائرات مفقوده هناك. وقبل أن تفقد قيل أن هناك كائنات غريبة. وبعدها يفقد الإتصال وقال العلماء أن االمنطقة يفقد ويسحب إلى قاع البحر. حاول الناس دائمًا أن يفهموا سبب حدوث أمور معينة. ومثال ذلك أن الناس أرادوا أن يعرفوا لماذا تُشرق الشمس وتغيب؟ وما سبب البرق؟

نصوص أسطورية
توظيف الأسطورة في رواية "نزيف الحجر" لإبراهيم الكوني ـــ مديحة عتيق ـ الجزائر
تمهيد: الأسطورة والرواية:‏
تسعى الرواية العربية المعاصرة لأن تجدّدّ أدواتها التعبيرية بين الحين والآخر لتحافظ على أدائها الأدبي وشبابها الفني مستندة في ذلك إلى تقنيات مستوردة حيناً وإلى مقوماتها الذاتية ثانية محاولة أن تواكب منجزات الآخر الجمالية والمضمونية دون أن تفقد هويتها لذلك تقلد الرواية الغربية في الاغتراف في الفلكلور الشعبي والخرافات، وتسعى لأن تطعم نفسها بسرود تاريخية وعقائدية وأدبية لتأثيث عالمها التخييلي بهذه العناصر الحكائية "المحلية" وكما "يبدو هذا النزوع شكلاً من أشكال المحاكاة لتحولات الجنس الروائي في الغرب، يبدو في الوقت نفسه شكلاً من أشكال السعي إلى تأصيل عربي لهذا الجنس الأدبي الوافد" (1)‏
لذا لا يجد الروائي العربي بأساً من أن يستعين بالأسطورة في تقديم مكونات عالمه الروائي سواء اكتفى بأحداثها العجيبة أو شخصياتها المثيرة أو أجوائها الفانتاستيكية، ورغم ما يشوب مصطلح الأسطورة من سمعة سيئة ـ في مناخنا العربي على الأقل ـ وغمزات مشبوهة بسبب تقاطعها مع الخرافة والأكاذيب والباطل والخوارق، ورغم كل ذلك فإن الروائي العربي حاول مراراً أن يخطب ودّ الأسطورة منذ الأربعينات أي منذ ظهور هذا الجنس الأدبي الوافد إلى ثقافتنا العربية، نلمس ذلك جلياً في الأعمال الروائية الأولى مثل رواية "عودة الروح" لتوفيق الحكيم الذي استثمر أسطورة لإيزيس الفرعونية وأبدى ولاء كبيراً لهذه الأسطورة في بناء نصه الروائي، حيث أضفى أوصاف إيزيس وخصائصها النمطية كالخصب، والوفاء، والتجدد والحياة على بطلته سنية، كما يمكن أن نمثل برواية شهرزاد "لطرح رؤاهما الفكرية وأحلامهما الفنية المتمثلة في تأصيل جنس أدبي جديد في الساحة الفكرية العربية.‏
ولعل أسباب مراودة الروائيين العرب للأسطورة لا تختلف كثيراً عن أسباب الشعراء والمسرحيين العرب، فالكل يسعى لتحقيق هدفين أساسين: أولهما هدف سياسي وهو "اتخاذ الأسطورة قناعاً وقائياً يحميه من عين الرقابة، ويدع مسافة مجازية بينه وبين السلطة، إذ اختبأ الأديب وراء كنانة الأسطورة، ورشق من خلالها أعداءه أو خصومه بسهام الرفض والاحتجاج" (2) وثانيهما سبب فني وهو تحرير النص الأدبي من أسوار البلاغة القديمة التي تقوم على السجع والزخرف اللفظي والمبالغة واختبار الذاكرة في حفظ الغريب، أضف إلى ذلك كسر النمط الخطي للسرد الحديث الذي ينتسب شرعياً أو بالتبني للسرد التتابعي في السير الشعبية والحكايات التراثية.‏
انطلاقاً من هذه الأهداف والدوافع أنتجت نصوص روائية كثيرة تقوم إمّا على أسطورة واحدة أو على مجموعة من الأساطير، واختلف حضور الأسطورة كمّا ونوعا من أديب لأخر حسب قناعات الروائي وقدراته الفنية من جهة وحسب "حظوظ" الأساطير "من جهة أخرى، فقد حظيت الأساطير المتعلقة بالموت والانبعاث بحصة الأسد، ونذكر على سبيل المثال: أسطورة إيزيس وأوزيريس، عشتار وتموز، الفينيق والعنقاء... الخ ويرجع سبب التركيز على هذه الأساطير أكثر من غيرها إلى توافق دلالة هذه الأساطير مع إرهاصات النهضة العربية، و"انبعاث" الأمة بعد طول سبات، ومعظم هذه الأساطير مستمدة من التراث القومي، إذ "ترتهن مصادر النزوع الأسطوري بمظهر من مظاهر استلهام في الرواية العربية للتراث السردي العربي أي استدعاء نصوص من هذا التراث وبثها بين تضاعيف السرد دونما محاكاة لأنماط السرد التراثية أو لتقاليد السرد التراثي" (3)، ومن الروائيين الذين احتفوا بتوظيف الأسطورة في متونهم الروائية نذكر الطاهر وطار، حليم بركات، إميل حبيبي، وإبراهيم الكوني (4) الذي سنقف عنده من خلال روايته "نزيف الحجر" نموذجاً لتوظيف الأسطورة في الرواية العربية، سنستخلص تمظهرات الأسطورة من خلال المحاور التالية:‏
ـ تجليات أسطورة قابيل.‏
ـ الصحراء فضاء أسطوري.‏
ـ تقنيات التوظيف الأسطوري.‏
1 ـ قابيل وهابيل: أسطورة الإخوة الأعداء:‏
قابيل أو قابين اسم قديم قدم الإنسانية نفسها، يفرض نفسه علينا طوعاً أو قسراً، سخطاً أو إشفاقاً، يرحل بنا عبر دهاليز الذاكرة إلى ثاني مأساة عاشها الإنسان بعد مأساة طرده من الفردوس، إنها حادثة قتل قابيل أخاه هابيل، ومواجهته معنى الموت وجهاً لوجه، صاغت التوراة تفاصيل القصة/ الأسطورة بعبارات بسيطة ومؤثرة، وحين تصل القصة إلى الذروة تطرح السؤال بنبرة مفجعة: "يا قابين أين أخوك هابيل؟" ثم تقرر السماء أن يعيش قابيل شريداً طريداً في الأرض طوال حياته،"... فقال الرب: ماذا فعلت؟ إن صوت دم أخيك يصرخ إليك من الأرض، فمنذ الآن تحل عليك لعنة الأرض التي فتحت فاها، وابتلعت دم أخيك (...)، وتكون شريداً طريداً في الأرض" (6)، وقد استقطبت أسطورة قابيل اهتمام الأدباء خاصة في الفترة الرومانسية، إذ كان نموذج الفرد الثائر المتمرد على لوائح الخير والشر كما نلمسه في مسرحية بيرون (قابين) كما استثمره الشاعر الفرنسي البرناسي لو كنت ليل "Le conte lisle” والشاعر الرمزي الفرنسي شارل بودلير لـ "يعبّروا به عن بعض مظاهر حيرة الإنسان وثورته على ما يراه ظلما وتمرده الميتافيزيقي، وضلاله في سبل لا يهتدي إليها بفكره، في حين هو مسوق إلى السير فيها، ثمّ عن بؤسه حين يتخذ عقله وحده رائداً له"(6)، فما الذي يرمز إليه قابيل في رواية "نزيف الحجر"؟‏
تقص الرواية تفاصيل حياة الطوارق في الصحراء، إذ ترصد تعاريج مسيرتهم المعيشية، ودقائق يومياتهم المتوزعة بين صيد الغزلان ومطاردة الودان، وحراسة الرسوم والأحجار التي خلفها الأسلاف، ومواجهة الفيضانات التي يليها الجفاف، كما ترصد تصوراتهم عن الطبيعة وعلامات آخر الزمان وأبجديتهم في قراءة أسطر الغيب، في خضم هذه التناقضات والتعقيدات يحضر "قابيل" في المتن الروائي حضوراً لفظياً ووظيفياً باعتباره شخصية رئيسية تفرض نفسها في المسار السردي للأحداث، تتحدث عن نفسها حيناً ويتحدّث عنها أحياناً، وقد تشكّلت هذه الشخصية من خلال جملة من الموتيفات كان أهمها:‏
*طفل مشؤوم/ منحوس: إذ مات والده، وهو في بطن أمّه التي توفيت بدورها بعد وضعه بأسبوع إثر لدغة أفعى، فتبنته خالته وزوجها فماتا عطشا في الصحراء ثمّ تبناه ربّ قافلة لكن سرعان ما تبور تجارته، وينهب اللصوص قطعانه.‏
*طفل قاس/ مرعب : يزرع الخوف في نفوس أطفاله، ويقطع أيّ جسر للتواصل الحميمي مع أقرانه، فارضا نفسه كقوة عليا، وشخصية سلطوية مستبدة.‏
*رضيع الدم : إذ تروي غزالة لصويحباتها كيف أن أمها ضحت بنفسها من أجل الرضيع قابيل حتى لا يموت عطشا في الصحراء "دمها آخى بين ملتنا (الغزلان) وملة آدم، نحن الآن أخوة بالدم هذا الحصن اشتريناه بثمن قاس" (7).‏
*آكل لحم البشر : يتحدّث عنه الدرويش بلهجة غامضة: "في فم هذا المخلوق دودة تجعله يأكل نفسه إذا لم يجد لحماً يأكله" (8).‏
تتضافر هذه المقتطفات الحكائية لترسم صورة حيّة عن "قابيل" إبراهيم الكوني التي لا تكاد تتفق مع قابيل الأسطوري في موضع حتى تختلف معه في مواضع كثيرة تؤكد خصوصية "قابيل" الجديد، فأهم الموتيفات المشتركة بين قابيل الأسطورة وقابيل الرواية هي (موتيف الاسم وموتيف الإخوة الأعداء)، ولنبدأ بالاسم:‏
حافظ إبراهيم الكوني على اسم الشخصية الأسطورية، وأورده بصيغته الإسلامية بدل الصيغة التوراتية (قابين) والتسمية مظهر من مظاهر الاستلهام الأسطوري سواء اكتفى الأديب بذلك أم تجاوزه على أحداث الأسطورة، ولاحظنا اختفاء اسم "هابيل" الذي عادة ما يرد معطوفاً على اسم قابيل كما عطفت جولييت بروميو وحواء بآدم ودليلة بشمشون، ولا أظن أنّ تغييب الروائي اسم هابيل من المتن النصي تقليلاً لشأنه أو تقليصاً لفعاليته بل العكس، لقد جعله ضمن دائرة المسكوت عنه ليكون نصاً صامتاً أو بياضاً دلالياً يمكن أن يتلوّن بأكثر من قراءة وتأويل، لذا بدا لنا هابيل مجسّداً في شخصية الراعي أسوف تارة وفي شخصية الغزالة تارة أخرى، وخاصة أنّ الاثنين أسوف والغزالة/ هابيل قد مارس عليهما قابيل فعل القتل ليتوشج النص الروائي بصلة نسب أخرى مع قابيل الأسطوري وذلك بتحقق الموتيف الثاني وهو الإخوة الأعداء.‏
قد قتل قابيل أخاه هابيل/ الإنسان/ أسوف الراعي لأنه رفض أن يدلّه على مكان الودّان، ويمثل هذا الفعل والمواجهة بين الأخوين الوجه الآخر للمواجهة بين نمطين معيشين الرعي/ أسوف، والصيد/ قابيل، يصرّ كلّ منهما على فرض وجوده والمحافظة على تخوم مملكته وإن اضطره الأمر إلى قهر الآخر، فكان أن قتل قابيل الراعي العجوز هابيل، لكن ليس لأنه خسر قربانه مع السماء/ الله بل لأنه سيخسر القربان مع نفسه ومع الكاتب الأمريكي جون باركر دارس الاستشراق والفلسفات الشرقية والتصوف الإسلامي، إنّه الوجه الآخر للمستعمر الأجنبي الذي جاء من الضفة الأخرى غازياً ومستكشفاً لعالم جديد عنه لا تتجاوز معرفته عنه كونها معرفة سماعية/ تلقينية استمدها من كتب الاستشراق والفلسفة.‏
إنّ هذه العلاقة الدموية بين الإخوة الأعداء هي إحدى جزيئات الأسطورة الأصلية التي استعارها الكوني ليؤثث بها نصّه الروائي مضيفاً عليها من "عندياته" ما يجعلها أسطورة أدبية حسب مواصفات ريمون تريسون" لا يمكن أن تتحقق الأسطورة الأدبية إلاّ إذا غيّر المبدع في الأسطورة (الأصلية) وعل فيها تجربة كبيرة، وذلك حين يشحنها بدلالات جديدة، وإذا لم تتوفر هذه الدلالات المضافة للمعطيات القديمة فلن نتحصّل على أسطورة أدبيّة (9).‏
حقق إبراهيم الكوني هذه الدلالات الجديدة حين طبع الشخصيتين البطلتين بملامح خاصة مستمدّة من خصوصية البيئة المحلية فيصبح قابيل وهابيل شخصيتين محليتين جدّا وعالميتين جدّا، لذا نجح الكوني حسب رأي مقبول موسى العلوي في أن يكون كاتباً عالمياً، يقول عنه "كان غارقاً في المحلية ممّا أوصله إلى العالمية دون تكلّف ممجوج" (10) على نحو يذكّرنا بوليم فولكنر وناثانيل هورثورن اللذين انطلقا من بيئتهما المحلية في أمريكا الجنوبية ليصلا بأعمالهما إلى مستوى عالمي/ شمولي يجعلها صالحة لكل زمان ومكان وإنسان.‏
كانت الحلقة الدموية الثانية في سلسلة الإخوة الأعداء هي مواجهة قابيل أخته بالرضاعة الغزالة ابتدأت بالتردّد وانتهت بالغدر والإجرام "اندهش كيف لم يطلق النار عليها، نسي البندقية نهائياً، نسي أنه جاء في رحلة صيد، نسي أنه قابيل بن آدم المجبول على الدّم واللحم (...) ولكن هل كانت تلك غزالة حقا؟ وهل كان هو قابيل حقا؟" (11)، ولكن سرعان ما تتبدّد تلك الدّهشة ولحظات التأمّل لتليها الجريمة واللاعقاب "وفي تلك الليلة لم يقتل قابيل ابن آدم أخته الغزالة فقط ولكنه أكل لحمها أيضاً" (12)‏
تطرح هذه المواجهة الدرامية علاقة غير متكافئة بين طرفين متناقضين، يمتلك الأول القوة والغدر وشهوة الإجرام، ويتسلح الثاني بالطيبة والعجز والسذاجة، بندقيته هي التعويذة السحرية "لن يشبع آدم إلا التراب"، وهذه نفس موازين القوى في الحكاية الأسطورية، لكن الكوني أراد هنا "أن يمثل صراعا دمويا بين الإنسان وصيده الجائر للحيوان،‏
الصيد لمجرّد التسلية والعبث، لذا نلاحظ هذه القدرة الفذة للكوني في إخضاع الأسطورة وربطها بمصير الإنسان الصحراوي" (13).‏
تشترك الغزالة مع أسوف في موتيفات كثيرة تسمح بأن يجسّدا معا شخصية قابيل، فكلاهما يتّسم بالطيبة وروح التضحية والعجز والغزالة، فقد كان أسوف رجلا منعزلا، لم يجاور أنيساً، ولا يعرف معنى النقود، ولم يعاشر امرأة، ولا يحمل سلاحا، يعيش في الخلاء، معتزلا الناس، وقد عافت نفسه لحم الحيوان فلا يأكله، بعبارة أخرى لقد كان نمط حياته أقرب إلى معيشة الحيوانات العشبية، وهذا ما يعطي تفسيراً آخر للصراع بين قابيل وهابيل في الرواية، إنّه (الصراع) تجسيد للصراع بين الطبيعة/ هابيل والحضارة/ قابيل، ولا أدل على ذلك من الصلة الوثيقة بين قابيل والكابتن الأمريكي جون باركر الذي زوّده بآلات تنعت مراراً في تضاعيف السرد بأنّها آلات شيطانية وهي "البندقية، وسيارة الاّندروفير، الجنادب الطائرة والخرطوش".‏
الصحراء: الفضاء الأسطوري:‏
لم يكتف إبراهيم الكوني بالتعامل بالرموز الأسطورية بل ارتقى إلى التعامل بمنطق الأسطورة أي صار يصوغ لنفسه أساطير خاصة به مقتنعاً بمقولة الناقد الفرنسي بيير برونيل "الأساطير هي كل ما حوّله الأدب إلى أساطير" (14)، فالأدب هو الذي ارتقى بالبندقية والإلدورادو وباريس وإرم ذات العماد من فضائها الجغرافي إلى فضاء أسطوري حتى لا يكاد يتبيّن الخيط الواقعي من الخيط الأسطوري لذا فكما يستعين الأدب بالأسطورة فإنّ هذه الأخيرة تدين له كثيراً بديمومتها وبقائها وتجددها عبر العصور، انطلاقاً من كلّ هذا اختار إبراهيم الكوني فضاء طبيعياً يبدو في ظاهره قحلاً، جافاً بل متقشفاً وهو "الصحراء، لكنه استطاع بقدرته الفنية العالية أن يجعله فضاء أسطورياً ثرياً برموزه، وطبقاته الدلالية العميقة محوّلاً قحطها إلى جنّة أسطورية في عامه النصي المتخيل مستنطقاً أحجارها وكهوفها ورمالها وشمسها وحرّها.. "فالصحراء تظلّ متماهية في أساطيرها وأسرارها المغلقة بحيث لا تمكّن المبدع من الولوج إلى عالمها، والكوني لا يحفز طاقاته لاختراق الصحراء، الصحراء هي التي تنفذ إليه وتسيطر على إيقاع قلمه" (15)، لذا يزخر نص "نزيف الحجر" بمقاطع وصفية للصحراء تتمتع بدفقات شعرية راقية، تشوبها مسحة من الغموض والإبهام الممزوجين بشيء من الخوف من المجهول ومن الفراغ الموحش في الصحراء، وقد ساعد هذا الفضاء المترامي للروائي بأن يجعل عدد شخصياته قليلا مما يوسّع هامش التحليل والتأمل في كهوف الذات البشرية، حيث "تفصح الصحراء عن محدودية مادية مذهلة، وتقشف يضطر معه أسوف بطل الرواية لمحاورة الذاكرة وإفساح ذاكرته عن آخرها للتخييل، والتأمل لقلة الشخوص بالطبع" (16)، فهذا الفضاء الرحب يضع الإنسان في مواجهة صريحة مع ذاته، إذ يسقط ورقة التين التي تداري عورته الأخلاقية لممارسة جدلية البقاء بين فكي العطش والتيه في عالم كل أبجديته شظف العيش والصراع من أجل البقاء.‏
تقنيات توظيف الأسطورة:‏
تختلف استراتيجيات الروائيين في معالجة الأسطورة، فهناك من يعيد صياغتها حرفياً، فيظل مشدوداً إلى منطق الأسطورة، أسيراً في شرنقتها، مما يجعله عبئاً على منجز حكائي جاهز يتعامل معه بشكل سكوني، وهناك من يوظف الأسطورة توظيفاً جزئياً أو توظيفاً ديناميكياً متسلحاً بحيل لغوية وفنية متنوعة، فماذا فعل إبراهيم الكوني في روايته "نزيف الحجر"؟ لقد راوغ الكوني كثيراً في مراودة الأسطورة محاولاً أن يستفيد منها قدر ما يستطيع حتى لا يشعرنا بأنه يدين لها بشيء، ومن ذلك استعماله التقنيات التالية:‏
1 ـ الرمز الأسطوري: إذ استعار شخصية أسطورية معروفة وهي قابيل، وأضاف إليها من عندياته ما جعلها فرداً من ممتلكاته الروائية وجزءاً لا يتجزّأ من عالمه التخييلي، بعد أن أفرغ موتيف "القربان" من ظلاله الماورائية/ القدسية، فلم يكن للسماء أي دخل في سير الأحداث، وكان القربان متعلقاً بشؤون الأرض فحسب.‏
2 ـ التفتيت/ defomation: لم يسرد إبراهيم الكوني قصة قابيل وهابيل / قصة الإخوة الأعداء دفعة واحدة بل اعتمد تقنية التفتيت وهو "زحزحة التطابق بين النظام التتابعي للأحداث الموصوفة وبين نظام تواليها في الرواية" (17) لذا جاءت القصة الأسطورية متشظية/ مبعثرة في فصول كثيرة من الرواية مخلفة بين كل فصل وآخر ثغرات ملأها الروائي بخلق بمسارات سردية جديدة ستتقاطع في وسط الرواية أو في نهايتها بمسار القصة الأسطورية، أي أنّ الروائي تعمّد كسر النمط التتابعي للأسطورة والرواية في آن واحد ليحافظ على تشوّق القارئ للنهاية أو حتّى لا يبدو متطفلا على الأسطورة "التي لا تشكّل متنا روائيا لكنها في الوقت نفسه تبدو مندغمة بهذا المتن" 018)‏
3 ـ التناوب/ Alternative: الذي "يعني رواية حدث ثمّ تعليقه للانتقال إلى حدث آخر ثمّ العودة إلى الحدث المعلّق" (19) فلم يشأ الكوني أن يخلق خطّاً سردياً تتابعياً بل جعل أسطورته مبعثرة في أكثر من موقع، فلا تلتئم أشتاتها إلا بنهاية الرواية أي أن الأسطورة لا تنتهي إلا بنهاية الرواية مما يجعلها عنصراً متأصلاً في جسد الرواية وليست زائدة نصية يمكن استئصالها.‏
4 ـ تعدد الساردين: لم يشأ الكوني أن يكون مستبداً بنصه ولا متحكماً في أعناق شخصياته يحرّكها كما يشاء، ويقول عنها ما يريد، بل جعلها شخصيات راشدة، مسؤولة عن أقوالها وأفعالها لذا لم يتعامل مع الشخصية البطلة/ قابيل بمنطق الراوي العالم بكل شيء عن شخصياته المطلع على أفئدتها، المترصد لكل حركاتها، بل قدم بطله من خلال رواة كثيرين مثل صديق مسعود، والكابتن جون باركر والدرويش والعراف الزنجي ساعدت هذه الشخصيات في رسم صورة قابيل من زوايا مختلفة، فالكوني يقدم قابيل من خلال عدد من الشخصيات الثانوية التي تبدو شاهدة عليه حتى لا يستبد بمهمة إنجاز عالمه الروائي وحده.‏
5 ـ الديباجة/ Epigraphe: استثمر الكوني تقنية الديباجة ليفتتح بها فصوله الروائية، والديباجة هي نص استهلالي أو علامة دالة تتقدم النص وتعلن عنه، وتتصل به لحظة ميلاده عبر حبل سري لمنحه سمات جمالية خاصة، لقد تفنن الكوني في توظيف هذه التقنية إذ مهد لنصوصه بمقتطفات نصية مقتلعة من قصص أسطورية أو من طقوس أسطورية في الغالب مثل افتتاحه فصل "ثمن الغزالة" بالمقطع التالي "ويتشاءم أهل تاسيلي من صيد الموفلون (الودّان)، فيتمتم الصيّاد بالتعاويذ السحرية، ويضع حجراً على رأسه، ويتقافز على أربع قبل أن ينطلق في رحلة الصيد" (20) أي أن الروائي قد استنزف الأسطورة موضوعاتياً وجمالياً بما يمكنه من خلق نص أدبي فوق العادة.‏
ختاماً يمكن القول أن الكوني نجح في خلق رواية يتضافر فيها الواقعي بالأسطوري والحقيقي بالخيالي ليخرجنا من قوقعة المعاني المألوفة للأشياء والصيغ النمطية في التأليف بعبارة أخرى لقد خلق الكوني رواية "لا يمكن أن تترك القارئ الذي تعرّف عليها لا مبالياً" (21).‏
الهوامش:‏
1 ـ د/ نضال الصالح: النزوع الأسطوري في الرواية العربية (دراسة) ط1. اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001.‏
2 ـ مديحة عتيق: الشيطان في أدب توفيق الحكيم دراسة موضوعاتية (رسالة ماجستير) ـ مخطوط ـ جامعة عنابة ـ الجزائر 2002، ص 54.‏
3 ـ د/ نضال الصالح: النزوع الأسطوري في الرواية العربية.‏
4 ـ إبراهيم الكوني: روائي ليبي معاصر من مواليد 07 أغسطس 1948 بالحمادة الحمراء، زاول تعليمه الثانوي بالجنوب الليبي وأكمل الماجستير قسم العلوم الأدبية بمعهد غوركي للأدب العالمي بموسكو عام 1977 وهو أديب غزير الإنتاج، من أشهر أعماله: رواية التبر ـ فتنة الزؤان ـ شجرة الرتم ـ نداء الوقواق ـ المجوس ـ الصلاة خارج نطاق الأوقات الخمسة... الخ وقد ترجمت رواياته إلى لغات كثيرة مثل الألمانية والروسية...‏
5 ـ الكتاب المقدس العهد القديم، سفر التكوين، دار الكتاب المقدس، القاهرة، 1995، ص 05.‏
6ـ غنيمي هلال: الموقف الأدبي، دار العودة، بيروت، 1977، ص 84.‏
7 ـ إبراهيم الكوني: نزيف الحجر، دار التنوير للطباعة والنشر، ط3، لبنان، 1992، ص 113.‏
8 ـ إبراهيم الكوني: نزيف الحجر، ص 117.‏
9 ـ R. Trousson/ Themes et mythes: Universite Bruxelle, 1979; P18.‏
10 ـ مقبول موسى العلوي: إبراهيم الكوني/ الصحراء والطوارق والأساطير.‏
11 ـ نزيف الحجر: ص 127.‏
12 ـ نزيف الحجر: ص 130.‏
13 ـ مقبول موسى العلوي: المرجع السابق.‏
14 ـ حنا عبود: النظرية الأدبية الحديثة والنقد الأسطوري‏
15 ـ خالد عويس: إبراهيم الكوني، الصحراوي المتقشف.‏
16 ـ خالد عويس: إبراهيم الكوني، الصحراوي المتقشف مرجع سابق.‏
17 ـ د/ نضال الصالح: النزوع الأسطوري في الرواية العربية (دراسة) مرجع سابق.‏
18 ـ المرجع السابق.‏
19 ـ المرجع السابق.‏
20 ـ نزيف الحجر: ص 30.‏
21 ـ من تعليق الباحث ديمتري ميكولسكي حول رواية نزيف الحجر التي ترجمها بنفسه ونشرها في مجلة سفيت الموسكوفية (ملحق برواية نزيف الحجر) ص 1 أشكال النروع الأسطوري وتجلياته - الحدث الأسطوري
تتعدّد أشكال النزوع الأسطوريّ في الرواية العربية المعاصرة بتعدّد النصوص الروائية التي تنتمي إلى مجاله، وإلى حد يمكن القول معه إنّ كلّ نصّ روائي ينجز شكلّ النزوع الخاصّ به، والمميّز له من سواه.‏
ويمكن تنضيد مجمل هذه الأشكال في ثلاثة: شكل ينزع إلى استلهام حدث أسطوريّ، أي إلى الاتكاء على أسطورة بعينها، وثان ينزع إلى استلهام رمز أو أكثر من الرموز الأسطوريّة، وثالث ينزع إلى استلهام البناء الأسطوريّ. من غير أن يعني ذلك أنّ كلّ نص روائي يستقلّ بشكل بعينه، إذ ثمّة نصوص يستجمع كلّ منها لنفسه أكثر من شكل، كما يتردّد فيه أكثر من أسطورة. بمعنى أنّ هذا التنضيد لا يعدو كونه عملاً إجرائياً بحتاً اقتضته طبيعة الدرس النقدي فحسب، ويخضع لمنطق غلبة شكل على غيره من الأشكال الأخرى داخل النصّ الروائي الواحد.‏
فكما ثمّة، على سبيل المثال، في رواية "رامة والتنين" أسطورة رئيسية تشكّل أحد أهمّ حوافز النزوع الأسطوريّ في الرواية، هي أسطورة الموت والانبعاث، ثمّة، أيضاً، استعارات من أساطير أخرى تعزّز ذلك النزوع وتثمّن حضوره في الرواية، إذ تستدعي الأسطورة الفرعونية، إيزيس وأوزوريس، المعنية بأطروحة إحياء الإله وبعثه، رموزاً أسطوريّة عدّة، كالعنقاء، والتنين. وإلى جانب أسطورة المخلّص، على سبيل المثال أيضاً، التي تشكّل أبرز علامات الرمز الأسطوريّ في رواية "الحنظل الأليف"، والتي تتجلّى من خلال شخصية "آدم البرّي"، ثمّة بناء أسطوريّ يُداخِل ما بين مستويين متضادين بالمعنى الموضوعي ومتعاضدين بالمعنى الفنّي / الجمالي: مستوى الواقع، ومستوى الأسطورة.‏
أعني بالحدث الأسطوريّ: ما يحيل على أسطورة مركزيّة من المنجَز الذي أبدعته المخيّلة البشرية في مغامراتها الفكرية الأولى، وما يتماهى والنسيج الحكائي للنصّ الروائي ويشكّل بؤرة المحكيّ فيه. وبالرمز الأسطوري: الأساطير الجزئية التي لا تشكّل متوناً في السرود الروائية، بقدر ما تبدو حوامل يعزّز الروائي بوساطتها، وعبرها، مقاصد الكتابة لديه. أمّا البناء الأسطوريّ، فإنني أعني به: النصوص الروائية التي تشيد عوالم أسطوريّة من خلال واحد من مكوّناتها النصّية، الشخصية الحكائية، أو العالم التخييلي، أو الفضاء الجغرافي. أي النصوص التي تمتلك الشخصية الحكائية فيها قوى مفارقة لقوانين الواقع الموضوعي وتتمتّع بقدرات تتجاوز القدرات المألوفة للبشر وتنحرف بها إلى مستوى الكائنات الأسطورية، ثمّ النصوص التي يشيد كلّ منها عالماً منبتّ الصلة بمواضعات العالم الواقعيّ ويُنتج عالماً خاصاً به ما إن يجد نفسه في مواجهة قانون مهيمن حتى يبدأ بالتمرّد عليه ويبتكر ما ينقضه، وأخيراً النصوص التي يصوغ كلّ منها فضاء جغرافياً يحيل إلى بدايات الأشياء.‏
الحدث الأسطوري‏
يتوزّع المنجَز الأسطوريّ، بعامة، بين نوعين رئيسيين: أساطير تتعلّق بأصل الخلق والتكوين وبدايات الأشياء، وأخرى تتعلّق بظواهر الطبيعة وبأكثر مؤرقات الإنسان عبر عصور التاريخ المختلفة، أي: الموت والانبعاث.‏
فأسطورة / أساطير التكوين تتردّد في معظم المغامرات الفكرية الأولى، ولدى معظم الشعوب والمجتمعات، وإلى حد يمكن القول معه إنه ما مِن شعب "إلا ولديه أسطورة أو مجموعة أساطير في الخلق.. وأصول الأشياء"(1)، حاول الإنسان من خلالها تفسير نشأة الكون وكيفية ظهور عناصره إلى الوجود، ووعي الظواهر الطبيعية المحيطة به من جهة، ثمّ ابتكار الطقوس اللازمة لاسترضاء القوى المحرّكة لتلك الظواهر من جهة ثانية.‏
والسمة نفسها تتجلّى في أسطورة / أساطير الموت والانبعاث التي تبدو هي الأخرى قاسماً مشتركاً بين معظم تلك المغامرات بسبب ارتباطها بأكثر أسئلة الوجود إلحاحاً، أي: الموت، موت الإنسان والطبيعة، الذي دفع المجتمعات الأولى جميعها "إلى إبداع عالم أسطوريّ يتغلّب فيه الانبعاث على الموت"(2)، ويحرّر الإنسان من العذاب والألم(3).‏
وبتتبّع تجلّيات هذا المنجَز في التجربة الروائية العربية، وربّما في مجمل الأجناس الأدبية العربية الحديثة، يخلص المرء إلى أن ثمّة حدثين أسطوريّين مركزيين يحاكيان تلك السمة المميّزة لترجّح المنجَز نفسه بين النوعين المشار إليهما آنفاً، ويشكّلان المصدر الأسطوريّ الأول لهذه التجربة بعامة، أي التكوين، والموت والانبعاث، بسبب ما تفيض به هاتان الأسطورتان من حمولات دلالية معبّرة عن الأسئلة الأكثر إلحاحاً في الواقع العربي منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى الآن، أي منذ شواغل عصر التنوير الفكرية والحضارية، مروراً بأسئلة المراحل التالية للاستقلال الوطني على المستويين السياسي والاجتماعي، وبالأسئلة الجارحة التي أنتجتها المفاصل الأكثر حساسية في التاريخ العربي الحديث: النكبة الفلسطينية، وهزيمة حزيران، واتفاقات السلام.‏
1 – أســـطورة التــــكوين:‏
على الرّغم من الأساطير بعامة مثّلت زاداً جمالياً للكثير من الإبداع الأدبي العربي، وتمّ استلهامها بأشكال ورؤى مختلفة، وفي معظم الأجناس الأدبية، وعلى الرّغم أيضاً من أن الجنس الروائي يُعدّ أكثر هذه الأجناس استيعاباً لاستلهام ذلك الشكل من أشكال المغامرات الفكرية الأولى، فإنّه لمن اللافت للنظر ضمور أساطير التكوين في التجربة الروائية العربية على نحو يكاد ينفي القول بوجودها، ومسوّغ ذلك، كما يبدو، جهارة هذه الأسطورة بما يتضادّ والمقدّس الديني، ولاسيّما الإسلامي، الذي يعلّل فعّالية الخلق على نحو مفارِق للنصوص الأسطوريّة.‏
عــودة الطــائر إلــى البحـــر:‏
يُمثّل النزوع الأسطوريّ أحد أهم العلامات المميّزة لتجربة حليم بركات الإبداعي، وقد أفصحت هذه العلامة عن نفسها منذ مجموعته القصصية الأولى "الصمت والمطر" 1958، وما لبثت أن تتابعت في معظم نتاجه الروائي: "عودة الطائر إلى البحر"، و"طائر الحوم"، و"إنانة والنهر"، لتشكّل سمة دالّة على دأبه في إنجاز نصّ إبداعي معبّر عن تجذّره في تراث المنطقة المتوسطية، وعلى الإمكانات الكبيرة التي يزخر بها هذا التراث من جهة، والتي مكّنت الأدب العربي الحديث، بأجناسه المختلفة، من أداء جمالي جديد لموضوعاته من جهة ثانية.‏
وتُعدّ روايته "عودة الطائر إلى البحر"(4)، الصادرة بعد الهزيمة الحزيرانية بعامين تقريباً، أكثر تلك العلامات بروزاً في هذا المجال، أي: النزوع الأسطوريّ الذي يترجّح داخلها بين أسطورتين مركزيتين: أسطورة التكوين بروايتها التوراتية، وأسطورة الهولندي الطائر، ثمّ ما يتردّد بينهما من أساطير جزئية، أو إشارات أسطوريّة، تعزّز ذلك النزوع وتعلي من شأنه في كلّ من المتن والمبنى الحكائيين.‏
ومهما يكن صحيحاً أن أهمية "هذه الرواية تكمن.. في اعتمادها على أسلوب فني جديد"(5)، فإنّ هذه الأهمية لا تتحدّد بهذا الأسلوب وحده، كما لا يعني أنه "لولا هذا الأسلوب.. لفقدت كلّ قيمتها"(6)، فالمتن الروائي وما يزخر به من إشارات مهمة إلى الأسباب التي قادت إلى الهزيمة تنازع ذلك الأسلوب مكانته فيما يجعل من الرواية علامة مميّزة في مسار التجربة الروائية العربية، في المرحلة التي صدرت فيها خاصة.‏
وعلى الرّغم من أن معظم الدراسات التي تناولت هذه الرواية عنيَ بالحديث عن الأسطورة الثانية، وعدّها الحامل الجمالي لخطابها، مأخوذاً، كما يبدو، باستثمار الروائي لها، على نحو جزئي، في عنوان نصّه، فإنّ الأسطورة الأولى تبدو المحرّك الأساسي لهذا النزوع، وأكثر الوحدات السردية تعبيراً عن تلك الدلالات التي رغب الروائي في بثّها بين تضاعيف هذا النصّ، حتى ليمكن القول إنّ الثانية لا تعدو كونها محفزاً تأليفياً يثمّن تلك الدلالات، ويستكمل، في الوقت نفسه، ما يبدو نقصاً في الأسطورة الأولى. ويؤكّد ذلك أن أسطورة التكوين، وعلى امتداد الرواية، تُعنى بدور العربيّ وحده في إنتاج الهزيمة، وهو الدور الأهمّ، كما يتبدّى في تضاعيف الرواية، بينما تُعنى أسطورة الهولندي الطائر بإرادات القوى / الآلهة التي حكمت على هذا العربيّ بالإبحار إلى المجهول دائماً. بمعنى توجّه الأسطورة المحرّكة إلى الداخل العربي، إلى الأسباب التي أنتجت الهزيمة، والتي عُدّت الرواية، من خلال إلحاح الروائي على تعريتها وتفكيكها، من أكثر الصور الروائية العربية قوة وواقعية في التعبير عن أحداث هذه الهزيمة وعن انعكاساتها على المجتمع العربي(7).‏
ولعلّ من أهم ما يميّز استثمار الروائي للأسطورتين معاً هو اتصالهما بما يسمّيه "توماتشفسكي": "التحفيز الواقعي"، الذي يعني توفّر العمل الحكائي على درجة معقولة من الإيهام بأن الأحداث المتخيَّلة، حتى ما ينتسب منها إلى ما هو أسطوريّ، محتملة الوقوع(8)، ثمّ إفصاحه، أي الروائي، عن مصادره الأسطوريّة في مجمل استدعاءاته لكليهما.‏
وتتبدّى هذه السمات جميعها في تصدير الروائي لنصّه بما يسمّيه مستعاراً من كوميديا دانتي الإلهية: "العتبة"، وبما يعني أن ثمّة لعنة أنتجها العربي بنفسه، فغلّت حركته إلى الجحيم / المطهر، وعوّقت وصوله إلى الفردوس، وعلى نحو مقلوب ينتهي بفعّالية الخلق إلى العماء بدلاً من انتهائها إلى الخلق، محاولاً من خلال ذلك هجاء الخراب المدمّر الذي صنعه العربي بيديه، فكانت الهزيمة إحدى علاماته الأولى: "العالم ماء، والظلام يغمر كلّ شيء.. يبدو له كأنما كلّ شيء يتكوّن من جديد. الأسطورة التوراتية تتكرّر، فالأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة. إنما روح الله لا ترفّ على وجه العالم كما يُروى في التكوين الأول. ويتسلّق رمزي صفدي جبلاً.. الحزن يجتاحه. يقول ليكن نور. النور لا يكون.. يقول ليكن جلد. الجلد لا يكون.. يقول لتجتمع المياه في مكان واحد ولتشرب اليابسة. المياه لا تجتمع واليابسة تتفتت من العطش.. ويقول لتطر الطيور فوق الأطفال في المخيّمات. الطيور لا تطير.. ويقول ليكن الإنسان على صورة الله.. الإنسان لا يُصنع على صورة الله.. ورأى العربي كلّ ما فعله فإذا هو سيء جداً"(9).‏
وإمعاناً منه في ذلك الهجاء يعيد سرد تلك المروية في خاتمة الرواية أيضاً، منتجاً بذلك شكلاً دائرياً مغلقاً يبدأ بالعماء وينتهي إليه، رغبة منه، كما يبدو، في القول بأن العربي لم يُخلص لنفسه، ولم يحاول تطهير واقعه من لوثة الخراب التي سبقت الهزيمة، إذ يؤول المحكي في الرواية إلى النقطة التي بدأ منها، وعبر تعديلات طفيفة لا تمسّ جوهر النصّ الافتتاحي، ولا تضيف إليه سوى إشارة إلى أن انهماك العربي بفعالية الخلق قد يمتد طويلاً في الزمن إنْ لم يقو على استنهاض بلاده من حال العطالة التي تفترس ساستها، ومؤسساتها، ووعي الناس فيها.‏
والسمات نفسها المميّزة لاستدعاءاته لأسطورة التكوين، ولاسيّما إفصاحه عن مصدره الأسطوريّ وفيما يؤكد أطروحته المركزية القائلة إنّ وعي العربي الناقص، بل العاجز، بأسباب الاستلاب الحضاري التي قادت إلى الهزيمة، تتجلّى في استدعائه لحكاية يعقوب مع الكنعانيين كما روتها التوراة أيضاً، وفيما يسمّيه: "مرة أخرى يختن يعقوب الفلسطينيين فيتهدّم المسرح"، التي تنتهي، على لسان بطله رمزي صفدي، إلى أن "التـاريخ يعيـد نفسه"(94)، وإلى أن أبناء يعقوب في الحاضر هم أبناء يعقوب الغابر، وأن فلسطينيي اليوم هم كنعانيو الأمس الذين غرّر يعقوب بهم، ولم يعِ أحفادهم ما حلّ بهم وبأرضهم على يديه، وما يزالون في غفلة ممّا يتربّص بهم من إبادة كما حدث لأسلافم(9).‏
وعلى النحو نفسه يتجلّى استدعاء الروائي لأسطورة الهولندي الطائر، التي تبدو، في الرواية، استكمالاً لأسطورة التكوين التوراتية، ومحاولة لتخصيب مرجعيات الخراب والعجز المدمّرين اللذين يسلبان العربيّ إمكانات الخلق أو الخلاص من لعنة الإبحار في تيه لا ينقطع ومجاهل لا تقود إلى غير السراب، والتي عدّها بركات نفسه "مجازاً لتجربة الفلسطيني المنفيّ الذي تسنح له بين وقت وآخر فرص تاريخية للعودة إلى وطنه ليكتشف في كلّ مرة أن الآلهة التي تتحكّم بمصير الإنسان تفرض عليه العودة إلى المنفى مرة أخرى"(10).‏
وكما يفصح الروائي في استدعائه لأسطورة التكوين عن مصدره الأسطوريّ يفصح عن ذلك المصدر فيما يتّصل بهذه الأسطورة أيضاً: "بلاده هولندي طائر.. أمس كان يصغي لهذه الأوبرا التي استوحاها فاغنر من أسطورة تدور حول سفينة مسحورة لا يمكنها الوصول إلى ميناء، وهي لا تزال تبحر منذ الأزل. كان الهولندي الطائر قد أقسم أنه سيدور حول جبل تحيط به العواصف العاتية وإن اضطرّ أن يُبحر حتى يوم القيامة. وغضبت الآلهة أو الشياطين عندما سمعت قسمه فحكمت عليه أن يبحر منفياً إلى الأبد ولن تحلّ عنه هذه اللعنة ما لم يجد امرأة تخلص له حتى الموت"(28).‏
وكما يجهر الروائي برموزه الأسطوريّة في استعاراته للمروية التوراتية في التكوين، يجهر برموزه الأسطوريّة في استثماره لهذه الأسطورة أيضاً، غير أنّ ما يميّز هذه الاستعارة من سابقتها في أسطورة التكوين التي يكتفي الروائي بالإشارة إليها في مفتتح الرواية وخاتمتها هو تردّد هذه الأسطورة، أي: الهولندي الطائر، في مواقع مختلفة من السرد، وعلى نحو متواتر لمفردة "البلاد" التي يرتدّ الضمير فيها إلى رمزي صفدي، والتي تمتدّ لتشمل، ليس فلسطين وحدها، بل الوطن العربي بأكمله: "بلاده سفينة بلا دفة"(29)، "بلاده.. يجب أن تكون مخلصة لنفسها حتى الموت"(30)...‏
وبين هاتين الأسطورتين تتردّد إشارات عدة إلى أحداث أو رموز أسطوريّة تنتمي إلى مواقع مختلفة من الجغرافية الإنسانية، ويعمّق جميعها حركة ترجّح الواقع العربي بين حال العماء ومحاولة الخلق التي تنتهي إلى العماء نفسه. وعلى الرّغم من أن بعض هذه الإشارات يعزّز ذلك الإيمان بجدوى تلك المحاولة، ويرى في الهزيمة ضرورة لتطهير الواقع من آثام التخلّف والتفكّك، على النحو الذي يتبدّى في قول السارد قاصداً رمزي صفدي: "سيعرّض نفسه لطوفـان العالم، ولن يخـاف، كما خاف يولسيس، أن تسحره أغاني حوريـات البحر"(10)، فإنّها في أغلبها الأعمّ تؤكّد ذلك العماء، وتثير، في مواقع مختلفة من الرواية، الإحساس بلا جدوى المقاومة، بمعنى أنها تنفي النتيجة القائلة إن الروائي "متفائل بالغدّ، وبالقدرة على تجاوز أسباب الهزيمة، والانتصار"(11)، فـ"آخيل" يُهزم أمام "هكتور"، و"جسد أنكيدو يتساقط"(33)، ولعنة "تانتلوس" تحكم على الذين ينصاعون لإرادة الآلهة "بأن يقفوا عطاشاً في بركة من الماء"(62)، و"عشتروت تقتلع شعرها من جذوره، وتذرّ الرماد على رأسها"(156)، وسوى ذلك كثير.‏
وتعبيراً، كما يبدو، عن قلق الروائي في أن لا تكون رموزه السابقة قد أفصحت عن دلالاتها على نحو يُسلم مقاصده إلى سويّات معرفية مختلفة من القرّاء، أو رغبة منه، كما يبدو أيضاً، في تجذير نصه في بيئته المجتمعية العربية، يلجأ إلى ما هو شعبي، إلى "خرافة الضبع الذي خطف العروس"، التي لا تشكّل الرموز فيها سوى إضافات قليلة إلى رموز أسطورة الهولندي الطائر، والتي يصوغها الروائي وفق المنطوق والأسلوب الشعبيين للحكاية الخرافية. وغالباً ما تتجلّى هذه الخرافة داخل الرواية على النحو الذي تجلّت معه أسطورة الهولندي

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3691


خدمات المحتوى


عبير + سميرة
تقييم
4.00/10 (2 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.