في
الثلاثاء 27 محرم 1439 / 17 أكتوبر 2017

جديد الأخبار


02-27-1436 11:50 AM

المتتبع للحركة المسرحية في المملكة العربية السعودية يجد انها قد بدأت متأخرة عن الدول العربية التي سبقتها في هذا المجال بمراحل عديدة. لكنها في مراحل النهضة الحديثة قد تخطت الكثير من الدول في شتى المجالات.*
ولمعرفة تفاصيل نشأة المسرح السعودي لا بد من الرجوع إلى بعض المصادر وهي على قلتها قد تعطي صورة واضحة لهذه المسألة، يقول عبدالرحمن الخريجي وهو أحد رواد الحركة المسرحية في المملكة في كتابه «نشأة المسرح السعودي» الذي صدر عام 1986:*
«لا شك في ان المتتبع للمسارات الأدبية في الوطن العربي الكبير سيجد المملكة العربية السعودية تأتي في مؤخرة معظم الدول العربية فيما يخص المسرح بأنواعه الثلاثة التعليمي والخاص والعام، وقد ينتابه شيء من العجب، ويضيف أن المناخ السياسي والاقتصادي أو الاجتماعي لم يبدأ إلا حديثا جدا قياسا بحياة الأمم أو الدول. فالكل يعلم حال جزيرة العرب قبل حركة التوحيد على يد المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود، وتلك الحال غير المستقرة وهي حالة يستحيل معها وجود المسرح بمفهومه الشامل، وذلك بسبب فقر المناخ المناسب لظهور مسرح بين عرب رحل هم إلى افتراش الغبراء والتحاف الزرقاء أقرب من إيجاد صالات ودور عرض. ورغم وجود هذه الحقيقة فإن أكثر من سائل يتساءل ما سر تخلف مسيرة الحركة المسرحية السعودية مقارنة بغيرها من مجالات الحياة العامة؟ وعلى هذا تأتي الإجابات متعددة. فقد يقول قائل انها ضياع مسؤولية المسرح، وآخر يعيد الأمر إلى عدم اكتمال البنية المسرحية وثالث يعلله بعدم وجود التربة الخصبة».*
وكثير من المؤرخين للمسرح السعودي يشيرون إلى الشيخ أحمد السباعي وهو أحد اعلام ورواد الأدب في المملكة العربية السعودية بأنه أول من قام بإيجاد أدب للمسرح في البلاد، فهو أول من أوجد مدرسة لتعليم التمثيل وأول من أنشأ بناء خاصا بالعروض المسرحية وأول من استقدم مخرجا للأعمال المسرحية، واستمر الحال عنده نشطا فكان «دار قريش للتمثيل الاسلامي». كما ان الدراسات تشير إلى أن الشاعر حسين عبدالله سراج هو أول من أوجد المسرحية الشعرية السعودية، حيث كان ناضجا في التأليف المسرحي بفضل معايشته لأدباء مصريين لهم باع في هذا المجال أمثال أحمد علام ومحمود تيمور وعزيز أباظة. فهو مؤلف المسرحية الشعرية «الظالم نفسه» عام 1932 ومسرحية «جميل بثينة» عام 1943 ومسرحية «غرام ولادة» عام 1952 ثم صدر له أيضا «الشوق إليك» عام 1974. كما ان الدكتور عصام خوقير يعتبر من رواد المسرحية النثرية السعودية وهو أشهرهم فقد كتب مسرحية بعنوان «الدوامة» عام 1380هـ ثم عرف الجمهور بمسرحيته الثانية «السعد وعد» وقد حولت فيما بعد إلى مسلسل تلفزيوني.*
ويقول ناصر الخطيب في كتابه «مدخل إلى دراسة المسرح في المملكة العربية السعودية» إن الدكتور عصام خوقير قد ذكر أنه «حين كتبت هذه المسرحيات لم يكن المسرح فناً مقروءاً، وكانت الكتب التي تقرأ هي الدواوين والقصص وبعض الروايات ولهذا أردت ان أجعل من المسرح فنا أدبيا ككل الأجناس الأدبية الأخرى في الأدب السعودي». بعد تلك البدايات المتعثرة للمسرح السعودي كان لوزارة المعارف دور بارز في ايجاد المسرح مع غيره من مناهج التعليم وكانت مكة المكرمة هي البداية والانطلاقة الحقيقية، وقد أرخ لذلك ابراهيم الحجي في مقال له بجريدة «الجزيرة» عام 1405هـ:*
«بدأ المسرح في مكة المكرمة بداية أكثر ايغالا في الزمن من وقت المسامرات الأدبية وكانت ثانوية الرياض لديها مسرح يمارس الطلاب التمثيليات فوقه ويلقون كلماتهم وقصائدهم الشعرية. وبجانب ثانوية الرياض كانت توجد المعاهد العلمية وكلية الشريعة التابعة للمفتي الشيخ محمد بن ابراهيم ومعهد الأنجال الذي يطلق عليه الآن معهد العاصمة وكانت هذه الدور العلمية في مراحلها الأولى تمارس نوعا من المحاضرات والندوات والقصائد والتمثيليات وهذه المحاولات نطلق عليها المسرح ولكن بساطتها تركت اثرا في نفوس الناس ونشرت وعيا ارتبط بالثقافة». تلك ارهاصات شجعت وزارة المعارف «التربية والتعليم» على إحداث النشاط المسرحي كفرع من فروع الإدارة العامة للنشاط المدرسي واستقدم له الخبراء وبدأت المسيرة المسرحية تأخذ مجراها في معظم مرافق وزارة المعارف التعليمية.*
وكما أن للوزارة دوراً في نشأة المسرح السعودي كان لوزارة الإعلام أيضا دور في نشر اسم المسرح وإعطاء مفهوم جديد لمن لا يعرف ما هية المسرح، وكان ذلك من خلال مسرح الإذاعة أو مسرح التلفزيون، ففي عام 1981 استمع جمهور الإذاعة العربية السعودية من جدة إلى برنامج مسرح الإذاعة الذي اخرجه حينذاك المخرجان محسن شيخ وعادل جلال، وكان هذا المسرح متعدد الفقرات من ضمنها مشاهد وتمثيليات، وهذه المشاهد والتمثيليات أعطت البلاد ممثلين موهوبين صار لهم مكان في النفوس حينا من الزمن ومنهم حسن دردير ولطفي زيني وعبدالرحمن حكيم ومصطفى فهيد والشريف العرضاوي ومحمد علي يغمور وعبدالرحمن يغمور وأمين قطان وخالد زارع.*
وبعد مسرح الإذاعة ظهر مسرح التلفزيون وكان ذلك بعد افتتاح محطة الإرسال التلفزيوني من الرياض بنحو سنتين فقد سعى وراء ايجاد «مسرح التلفزيون» المخرج بشير مارديني الذي بدأ المسرح على غرار مسرح الإذاعة السابق، الذي يقدم أنواعا من المشاهد والتمثيليات. لكن ذلك لم يرض طموحات المخرج فقام بإخراج مسرحية متكاملة العناصر وفعلاً كان ما أراد وشاهد جمهور التلفزيون أول مسرحية سعودية منتجة محليا وتحمل صفات المسرحيات الأخرى المعروفة لدى الكثير من الناس وكانت المسرحية بعنوان «عريس من ذهب» التي قام بأدوارها ممثلون سبق ان كانت لهم مشاركات تمثيلية سواء في إذاعة الرياض أو مع التلفزيون نفسه منهم الفنان عبدالرحمن الخريجي وحمد الهذيل والشريف العرضاوي وحسن دردير وأحمد الهذيل ولطفي زيني. وتعتبر الرئاسة العامة لرعاية الشباب صاحبة الفضل الأول في الحركة المسرحية السعودية الحديثة ولها اجتهادات كبيرة ومقدرة بإيجاد قسم خاص من خلال إدارة الشؤون الثقافية أو من خلال الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون التي تعتبر الأب الشرعي للمسرح السعودي الحديث، حيث قدمت منذ إنشائها عام 1393هـ باهتمام خاص من الأمير الراحل فيصل بن فهد بن عبدالعزيز «رحمه الله» العديد من المسرحيات الجماهيرية.*
وكان الأمير يهدف من وراء ذلك إلى إعطاء الشباب في المملكة العربية السعودية الفرصة لإبراز مواهبهم في شتى المجالات الثقافية، ومنها المسرح. فقد كثرت في عهده المسابقات المسرحية على مستوى الأندية والجمعيات الثقافية التي أعطت بعدا في إيجاد مسرح سعودي له هويته بتشجيع المواهب وتحفيزها إضافة إلى حث الأدباء والمبدعين على التأليف للمسرح. فقد برز في هذا المجال عبدالرحمن محمد ابراهيم السلمان وصالح عبدالرحمن الزيد وابراهيم الخميس ومحمد سالم الهويريني وغيرهم. وظهر بعدهم العديد من رجال المسرح أمثال عبدالرحمن المريخي وابراهيم الحمدان وعبدالرحمن الحمد ومحمد خضر عريف وعلي الهويريني وسليمان الحماد وأحمد الدبيخي والدكتور أحمد عبدالرحمن ومحمد العثيم وراشد الشمراني وعلي السعيد ومشعل الرشيد وفهد الحوشاني ومحمد الهويمل وفهد ردة الحارثي وعبدالعزيز السماعيل وغيرهم من الذين يمثلون زخما في الحركة المسرحية السعودية الآن.*
في حديث لمحمد بن أحمد الشدي رئيس مجلس إدارة الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون يقول: في القرن العشرين الذي نعيشه. نرى تقهقرا جارفا وشديدا في الفن والأدب أمام الحضارة المادية الطاغية لأن الأذواق والأحاسيس تبلدت وأصابها الجفاف والتيبس وهي كبوة لا أعتقد انها سوف تستمر، فسرعان ما يعود الإنسان إلى نبعه وذوقه وانسانيته وحبه للجمال والأصالة والذوق الرفيع، فالحضارة الحقيقية هي حضارة الأخلاق، حضارة الأدب وحضارة الفن، لأنها هي الحضارة الحية الخالدة التي يحفل بها التاريخ. مضيفا أن المملكة العربية السعودية هذا البلد القيادي ذو المكانة المرموقة والامكانات الكبيرة تشرع الأبواب واسعة لحضارة عربية إسلامية فنية وثقافية باهتمام من أولي الأمر وبتشجيع من المسؤولين عن الحركة الثقافية في المملكة.*
كما لا يغفل دور الجامعات السعودية فقد اعتنت بهذا المرفق التهذيبي التعليمي الأدبي، فكان لكل جامعة مسعاها الخاص في ايجاد مسرح له اتجاهات محددة، فاهتمت جامعة الملك سعود في الرياض بتقديم المسرح المتنوع الذي يقدم الواقعية والرمزية وباقي المدارس الفنية وكذلك محاولات جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية في بلورة وظهور المسرح الاسلامي. وهكذا الحال مع الجامعات الأخرى مثل جامعة الملك عبدالعزيز في جدة وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.*
ويزخر المسرح السعودي حاليا بالعديد من العناصر الفنية التي أصبح لها وجودها وفعاليتها، ففي الإخراج يبرز عدد من الأسماء هم عبدالرحمن المقرن ومشعل الرشيد وابراهيم بن علي وياسين أبو الجدايل ونوح الجمعان وعبدالله الحسن وراشد الشمراني وعامر الحمود ونايف العتيبي ومحمد الاحمري وغيرهم من الشباب العامل في هذا المجال.*
ويبقى الطموح المسرحي في المملكة العربية السعودية متوثبا في ظل ما يجد من رعاية واهتمام، خاصة بعد التوجه لإنشاء كثير من صالات العرض في معظم المناطق، وإيفاد الكثير من الكوادر للتدريب في الخارج لصناعة هذا الفن الراقي.*

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 589


خدمات المحتوى


جميلة كاتب
تقييم
3.00/10 (3 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.