في
الإثنين 10 ذو القعدة 1439 / 23 يوليو 2018

جديد الأخبار


02-14-1436 07:36 AM

منى حمدان الحويطي
النثر العربي الحديث
دراسة رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ

ملخص رواية زقاق المدق
تدور أحداث رواية زقاق المدق للكاتب العربي الكبير نجيب محفوظ في حي زقاق المدق فلا تخرج منه إلا نادراً، وهو كما نفهم من مقدمة الرواية من الأحياء العريقة العتيقة، فيركّز الكاتب كثيراً على أمسيات هذا الحي. وأنّ زمان الرواية كان بعد الحرب العالمية الثانية.
تصوّر هذه الرواية حالة الطبقة الوسطى، وأثر الحرب العالمية الثانية عليها، وهي طبقة مهمّة في المجتمع المصري والعربي. وهي من شاكلة الروايات الواقعية.
والشخصيات نماذج مختلفة في سلوكها وتفكيرها، يجمع بينها الطموح في تغيير واقعها المتهرئ.
عناصر بناء الرواية
أوّلاً: البيئة المكانية والزمانية
بيئة الرواية المكانية كما أسلفنا هي حي زقاق المدق القاهري العريق، وهو كما ورد في الرواية حيٌّ يعجُّ بالحياة حيث الناس لا يتوقّفون عن العمل والكسب، ونجد في الحيِّ أشخاصاً لا ينعزلون عن بيئتهم ذات الطابع الشعبي، فهم جميعهم _ تقريباً _ ينتمون للطبقة الوسطى ودون الوسطى.
أما البيئة الزمانية فقد نجح الكاتب حين اختارها أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، وهو أمر يمكِّن الكاتب من تصوير الآثار الاجتماعية التي تتركها
الحرب في جسد المجتمع، فتغيّر معالم بنيته، كما تغيّر سلوك الناس على مختلف نماذجهم.
ثانياً: الشخصيات
الرواية تعج بالشخصيات الرئيسة والثانوية، وهي من شاكلة الروايات التي لا ينفرد بالبطولة فيها شخص واحد، بل يتقاسمها مجموعة من الأفراد داخل العمل الروائي.
فمن الشخصيات الرئيسة المؤثِّرة:
_ حميدة الفتاة الجميلة المتمرّدة، فقد قادها تمرّدها وطموحها غير المتريِّث إلى الوقوع في حمأة الرذيلة، ففقدت عفّتها، وفقدت احترام أهل الحي.
- عبّاس الحلو صاحب صالون الحلاقة في الحي، الرجل الوديع الخلوق، يقع في حبّ حميدة
لكن كان ينقصه المال الذي يمكِّنه من الزاج بها، ولهذا يضطر للعمل بالقوات الإنجليزية المحتلة، لجلب المال الذي يحقق به سعادة حميدة، لتنتهي حياته بمقتله على يد أحد الجنود الإنجليز.

فرج إبراهيم تاجر الرقيق الأبيض، رجل متهتِّك يظهر في حي الزقاق، فيقابل حميدة في غياب عبّاس، فيغريها بترك الحيِّ لأنه لا يليق بجمالها وذكائها _على حدّ زعمه_، ويعدها بالزواج،لكنه بدلاً عن ذلك يلقي بها في أتون الفساد الأخلاقي.
* وهنالك حشد كبير من الشخصيات الثانوية المؤثرة في الرواية، منها:
- أم حميدة الخاطبة التي كانت تتوسّط للراغبين في الزواج في الحي، وهي تعكس نموذجاً معروفاً في مصر، وفي بيئات عربية أخرى عديدة.

وهناك حسنية الفرانة وزوجها جعدة، اللذان لا تتوقّف مشاكلهما.
كما نجد التمرجي بوشي، الذي كان يطلق عليه أهل الحي الدكتور بوشي، فقد مارس مهنة التمريض مع طبيب أسنان دون شهادة، كان يسرق أسنان الموتى الذهبية ليبيعها لزبائن من جديد.
لاإضافة إلى شخصيات أخرى عديدة، الشيخ درويش، العم كامل بائع البسبوسة وغيرهم.
إن شخصيات هذه الرواية هي نماذج مألوفة في المجتمع المصري، تمكّن الكاتب من تقديمها وتصويرها بشكل لافت للنظر، وجعلها شخصيات واقعية فاعلة ومتفاعلة على الرغم من الحركة البطيئة لقسم منها.
ثالثاً: الحبكة والبناء
اعتمد الكاتب في بناء حبكته الفنية لهذه الرواية على ظاهرة الانتقالات المفاجئة من حدثٍ إلى آخر ومن موقف إلى غيره، فلا نكاد نمضي مع حدثٍ ونقترب من نهايته حتى ينتقل بنا الكاتب إلى موقف آخر لا تربطه بالحدث السابق رابطة سببية، ثم لا يلبث أن يعود إلى الحدث السابق، وهكذا تجد القارئ مشدوداً يلهث وراء خواتيم الأحداث من ذلك مثلاً حين اشتدّ الخلاف بين عبّاس الحلو والجنود الإنجليز بسبب حميدة، فإذا بالكاتب يقطع هذا الحدث قبل أن يحلّ عقدته، وينتقل إلى قهوة المعلّم كرشة بشكل مفاجئ حتى إذا تنفسنا قليلاً من عناء المشهد السابق عاد بنا إلى مقتل عباس .
لعلّ من فوائد هذا الأسلوب تشويق القارئ وجعله مشدوداً مع أحداث الرواية
إلى نهايتها.
لكنه في النهاية استطاع الكاتب من أن يقدّم لنا لوحات تصويرية فنّية كاملة الأبعاد، واضحة المعالم لحي الذي تجري فيه الأحدث.
- أما الصراع فقد حفلت الرواية بأشكال مختلفة منه: صراع بين الأشخاص، صراع مع النفس، وصراع مع الواقع والظروف المحيطة وهو أبرز ألوان الصراع وأكثرها حضوراً في هذه الرواية.
فمن المواقف التي نشهد فيها هذا الصراع:
- صراع سليم علوان بين رغبته بالزواج من حميدة وبين ظروف بيته ومركز عائلته الذي لا يسمح له بذلك، إذ كيف تصبح حميدة ضرّة ل (عفت) زوجته الأولى، وكيف تصبح أمها حماة له.
- الصراع النفسي الذي خاضه عباس حينما فكّر في قتل فرج إبراهيم الذي غرّر بخطيبته حميدة، وأفسد أخلاقها.
- وحميدة كانت في حالة صراع دائم مع نفسها ومع محيطها الاجتماعي، وظروفها التي حالت دون تحقيقها لأمانيها بالزواج والعيش الرغيد، فضلاً عن تفكيرها في علاقتها بأم حميدة التي لم تكن أمّها الحقيقية، بل كانت ربيبتها،
وهذا كله قد حدد مكانتها المتواضعة _رغم جمالها_ بين أهل الحي الذين لا يكنّون لها الاحترام الذي تتوق إليه،ما جعلها ريشةً في نهبّ الريح.
رابعاً: الفكرة والهدف
قامت رواية زقاق المدق على فكرة أساسية مؤدّاها رغبة أهل الحي الملحّة على تغيير حالهم، فقد رأينا أكثر من شخصية رافضة لوضعها الذي تسعى لتغييره بطريقة أو أخرى. من ذلك مثلاً:
- حسين كرشة ابن المعلّم كرشة صاحب المقهى، نراه يثور في وجه والديه قائلاً وهو يهمُّ بمغادرة البيت (أريد أن أُغيّر حياتي).
- عبّاس الحلو: نراه يترك مهنته في الحي ويلتحق بخدمة الجنود الإنجليز سعياً منه
لتغيير حاله ليظفر بحميدة زوجة له.

حميدة: فعلت كل شيءٍ لتغيير حالها، فهي تتحسّر حين تنظر إلى فتيات المشغل والعائلات في الجيش يلبسن الثياب الفاخرة ويملأن جيوبهن بالمال، فإذا بها تفكّر في الزواج بسليم علوان صاحب العطارة الذي يكبرها بعقود من السنوات، ثم ترتبط بعباس الذي تدفعه للالتحاق بالجندية، ثم تهرب من الزقاق ليتلقّفها فرج إبراهيم ويسمّيها (تيتي) ويغريها بممارسة الرقص.
وهكذا نرصد تصوير الكاتب لتطلّعات أهل الزقاق التي اصطدمت بجدار الواقع السميك الذي يؤدي إلى إجهاضها.

من عيوب الرواية
لقد رأى بعض الدارسين لهذه الرواية أنّها اشتملت على لعض العيوب التي لم تقلّل من أهمّيتها وقدرة كاتبها على أن يقدّم للقرّاء رواية واقعية تعكس صور وهموم المجتمع العربي، من تلك العيوب:

لجوء الكاتب إلى المصادفة التي تكرّرت بين الحين والآخر، من ذلك مثلاً:
اللقاء الذي تمّ بين حميدة وفرج بمحض المصادفة، ثم ما يلبث أن يتطوّر ذلك اللقاء إلى علاقة غيّرت حياة حميدة تغيّراً جذرياً.
من ذلك أيضاً عثور عبّاس بمحص الصدفة على حميدة التي يراها في عربة
حنطور في طريقها إلى الحانة، فيناديها وتجيبه ويتمّ بينهما اللقاء الذي تكون خاتمته مقتل عبّاس على يد الجنود الإنجليز الذين يدخل معهم في مشادّة تتحوّل إلى قتال.
والمصادفة عنصر مستحب في العمل الروائي وهي موجودة في الواقع ولكن إذا كثرت أو جعلناها تصنع الأحداث الكبرى فإنّها تفقد العمل الروائي الكثير.
- من العيوب التي أشار إليها الدارسون في هذه الرواية كذلك الإفاضة في النصح والوعظ المباشر الذي قد يؤدي إلى فتور الحدث، من ذلك ما ألقاه على لسان رضوان الحسيني الرجل الصالح حين راح يطوف بسكان الحي قبل ذهابه إلى الحج.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 27852


خدمات المحتوى


منى حمدان
تقييم
1.55/10 (23 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.