في
الإثنين 18 ربيع الثاني 1438 / 16 يناير 2017

جديد الأخبار


10-20-1433 07:33 AM

في مقاله الأسبوع الماضي تم استعراض عدد من الآراء حول عمل عبد القدوس الأنصاري "التوأمان"، وإذا كانت تلك الآراء تقترب من نفي الصفة الروائية عن هذا العمل الأدبي، فما الذي جعلنا نتعامل مع "التوأمان" على أنها رواية؟ هل خدعة المؤلف بكتابته "أول رواية تصدر في الحجاز" على غلاف هذا العمل، هو الذي جعل النقاد يتجهون إليها؟ ولو صدر العمل دون هذه الإشارة، هل يا ترى سيقف النقاد عنده؟ هل الرغبة في البحث عن تاريخ قديم ليكون تاريخا لبدء الرواية المحلية، هو الذي جعل النقاد يتجاوزون الجوانب الفنية؟


أود هنا أن أصل إلى إخراج "التوأمان" من دائرة الفن الروائي بكامله، فهي وإن أخذت الصفة السردية، لا أجد أنها تستحق من ناحية فنية أن تنسب للإبداع الروائي.
لكننا لو اقتنعنا بذلك، وهي قناعة يفرضها مستوى العمل نفسه، فمتى يكون تاريخ بدء الرواية المحلية، هل نقفز إلى "فكرة" و"البعث" للسباعي والمغربي؟ أم نبحث عن تاريخ آخر وعمل روائي آخر نجعله بدءاً للرواية المحلية؟
ألم تصدر أعمال روائية بعد "التوأمان" وقبل "فكرة" و"البعث"؟
حين النظر في الكتب التي تناولت الأدب المحلي سنجد وجهات نظر متفاوتة، ولعل استعراض هذه الآراء يمكن أن يقود إلى رؤية جديدة.


بكري الشيخ أمين حين تحدث عن القصة، أشار إلى أن "أول هذه القصص للكاتب "أحمد السباعي" كان عنوانها "فكرة" وهي قصة راعية عرفت باسم "فكرة"، عاشت لأفكارها ودانت لما تعتقد"، فهو لا يشير إلى "التوأمان" أو غيرها.


منصور الحازمي يقول "ليس بين "التوأمان" سنة 1930م وبين رواية "ثمن التضحية" سنة 1959م ما يستحق الوقوف عنده سوى روايتين ظهرتا في عام واحد "1948م" هما "البعث" للأستاذ محمد علي مغربي، و"فكرة" للأستاذ أحمد السباعي"، أما سلطان القحطاني فيشير انه "لم يظهر شيء في عالم القصة، يمكن تسميته رواية، بعد هذا العمل الذي قدمه الأنصاري "التوأمان"، حتى جاء عام 1947م، عندما أخرج أحمد السباعي روايته "فكرة"، ويقول عبد العزيز السبيل في بحثه حول نشأة الرواية المحلية: "ويتفق جميع الدارسين أن هناك ثلاثة أعمال روائية صدرت في تلك المرحلة. هذه الأعمال هي: التوأمان لعبد القدوس الأنصاري "1930" وفكرة لأحمد السباعي "1948" والبعث لمحمد علي مغربي "1948".


إذا كان لا يوجد بين "التوأمان" و"ثمن التضحية" ما يستحق الوقوف عنده سوى روايتي "فكرة" للسباعي و"البعث" للمغربي، فهل يعني ذلك أن ننتقل إليهما، وبالتالي نقفز بمرحلة البدء التاريخي للرواية المحلية من 1930 إلى 1948م.


حين ننظر في مراجع أخرى نجد ذكرا لعمل آخر بعد "التوأمان" وقبل "فكرة" و"البعث"؛ فمحمد الشامخ يشير في كتابه "النثر الأدبي في المملكة العربية السعودية" تحت عنوان "المحاولات الأولى لكتابة القصة القصيرة" أن المحاولة الأولى في ميدان الفن القصصي الحديث لم تأت إلا في عام 1349هـ "1930م" وذلك حينما أصدر عبد القدوس الأنصاري روايته القصيرة "التوأمان"، وقد شهدت السنوات الخمس عشرة التالية ظهور رواية قصيرة أخرى هي قصة "الانتقام الطبيعي" لمحمد نور الجوهري، أما يحيى محمود ساعاتي في ببليوجرافيا الأدب العربي في المملكة، فيذكر اسما قريباً حيث يشير إلى قصة "الانتقام الطبيعي" أما مؤلفها فهو محمد نور الجوهرجي "وليس الجوهري"، ويشير إلى أن طباعتها كانت 1954م.


أما علي جواد الطاهر فأشار إلى العمل باسم "الانتقام الطبيعي" متفقاً مع ساعاتي، لكنه يذكر اسم المؤلف صحيحا وهو محمد نور الجوهري، وينقل عن جريدة "صوت الحجاز" العدد 160، في 9/3/1354، الموافق 11 يونيو 1935 ما نصه "أهدانا الأستاذ محمد نور عبد الله الجوهري، خريج المدرسة الفخرية، وأحد المعلمين بفرعها في "الفلق" رواية بهذا الاسم وضعها حديثا، يخدم بها ناحية مهمة من نواحي الأخلاق، وهي في 39 صفحة من القطع المتوسط على ورق أبيض صقيل، وتطلب من مؤلفها الفاضل"، ولم يشر إليها عدد من الباحثين الذين تناولوا القصة المحلية، منهم إبراهيم الفوزان في كتابه الأدب الحجازي الحديث بين التقليد والتجديد "1981"، والسيد محمد ديب في كتابه حول الرواية في المملكة، وكذلك محمد صالح الشنطي في كتابيه حول الأدب السعودي والرواية في المملكة.


وحين ننتقل إلى رسالتين علميتين حديثتين، نجد أسامة الملا في دراسته حول "أثر المكان في تشكيل الرواية السعودية" يستثني رواية "الانتقام الطبيعي" كما يسميها من الدراسة لكونها مفقودة، فلم يذكرها سوى علي جواد الطاهر وساعاتي ويؤكد أنها مفقودة حيث "لم يذكرها أحد غيرهما"، ويضيف أنه بحث عنها في جل المكتبات التي يمكن أن توجد فيها، ولكنه لم يتمكن من العثور عليها.


وأود هنا أن أسجل شكري للزميل سحمي الهاجري التي تكرم بتزويدي بنسخة مصورة من الرواية، وهذه النسخة تشير إلى أنها موجودة في مكتبة الحرم المكي، وأفاد المسؤولون بفقدها، غير انه بعد بحث مضن من قبلهم تم العثور عليها دون صورة الغلاف، ولعل هذا سبب عدم انتشارها بين الباحثين، وقد تحدث عنها محمد حسن عواد في كتابه "تأملات في الأدب والحياة" وقدم لها قراءة نقدية.


عندما صدرت موسوعة الأدب العربي السعودي الحديث "2001" نجد أنه تم عدها من روايات "البدايات والتأسيس"، وقال عنها منصور الحازمي "ولا تختلف قصة محمد الجوهري، "الانتقام الطبيعي" عن قصة الأنصاري في هدفها التعليمي وسرديتها المباشرة".
وحين النظر في الرواية، نجد أنها تقع في تسع وثلاثين صفحة، وجاء في الغلاف "رواية الانتقام الطبيعي: رواية علمية أدبية أخلاقية اجتماعية". ويشير مؤلفها محمد نور عبدالله الجوهري أنه يكتب "رواية صغيرة مراعيا في وضعها الشروط الروائية قدر الطاقة".


أما موضوع الرواية فيدور حول شاب غني أنفق جل ماله في اللهو على نفسه وأصدقائه، وتحايل أحدهم واستولى على أمواله، ساءت حالته النفسية فقرر الانتقال من الطائف إلى مكة، وهناك شعر بالاستقرار، وتزوج بابنة أحد المقيمين، يلتقي مصادفة بصديقه الذي سرق أمواله وقد أصيب بأمراض أدت إلى وفاته وكأن هذه النهاية هي الانتقام الطبيعي.


حين النظر إلى الرواية من ناحية فنية فإنها دون ريب رواية على مستوى من النضج، في ذلك الزمن المبكر، من حيث التعامل مع الأحداث وترابطها، ومسار الشخصيات، خلال الأحداث التي تجري في مستوى حياتي واقعي إلى حد كبير، ومع التقائنا مع رؤية الحازمي في اتفاق "التوأمان" والانتقام الطبيعي في هدفهما الإصلاحي المباشر، فإن الأخير عمل يتفوق كثيراً على "التوأمان" من ناحية فنية، وذلك لاحتوائه على عناصر الرواية الأساسية.

وإذا كانت الإشارة قد سبقت إلى ضرورة تجاهل "التوأمان" على أساس أنها لا ترتقي إلى مستوى الرواية، فإن الانتقام الطبيعي لمحمد الجوهري هي التي تستحق أن تكون تاريخا لبدء الرواية المحلية، وهذا يعني أن تاريخ بداية الرواية المحلية سيكون عام 1935، وآمل أن تكون هناك وقفة قرائية تفصيلية لهذا العمل في مقالة قادمة إن شاء الله.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3463


خدمات المحتوى


تقييم
1.00/10 (4 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.