في
الإثنين 2 شوال 1438 / 26 يونيو 2017

جديد الأخبار


04-27-1432 12:40 PM

محمود تيمور رائد التعريب
وأسلمة الأدب القصصي المترجم

كان مطلع القرن التاسع عشر بداية الاتصال بين الأدب المصري والآداب الأوروبية وقد انفتحت مصر - على وجه التحديد - على الأدب الفرنسي، خاصة بعد الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وكان كُتّاب فرنسا وأُدباؤها آنذاك تجوب شهرتهم الآفاق، ومنذ ذلك التاريخ وحتى مشارف القرن العشرين، كان ديدن الصحف والمجلات في مصر ترجمة آثار الأدب الفرنسي إلى اللغة العربية وصياغتها، فعكف كثير من الأدباء المصريين على استقاء الأجناس الأدبية الحديثة، وشغلوا أنفسهم بترجمة أعمال مشاهير كتاب فرنسا، ونقلها إلى العربية، فترجموا "موليير" و"راسين" و"كورني" و"لافونتين" و"شاتوبريان"، "وفكتور هوجو" وغيرهم، إلى أن حدث على المستوى الرسمي في عهد محمد علي باشا والي مصر (1805 - 1849) إنشاء مدرسة الترجمة في عام 1840م وكان هدفها ترجمة عيون الآداب العالمية خاصة الفرنسي، ويرجع ذلك إلى كون مديرها في ذلك الوقت هو رفاعة رافع الطهطاوي (1805-1873) الذي يعتبر الرائد الأول للانفتاح على الثقافة الفرنسية في عصره.

بدايات الأدب المترجم:
وإذا ما تطرقنا إلى نوعية الترجمة ومستوى ترجمة هذا الإنتاج الأدبي الوافد من الخارج وجدنا أنها تهدف أول ما تهدف إلى إشباع ذوق جمهور القراء، واسترضاء رغباته، التي غالباً ما كانت تنحصر في النثر المسجوع والتعبيرات الموسيقية. هذا من ناحية الظاهر، أما من ناحية المضمون فكانت قصص المغامرات العاطفية والبوليسية هي البضاعة الرائجة لدى تلك النوعية من القراء التي لا تنشد إلا التسلية.

وأول تلك الترجمات التي عرفها القارئ آنذاك: هي ترجمة رفاعة الطهطاوي لرواية الكاتب الفرنسي فينيلون Fenelon (1651-1715) "مغامرات تليماك"، تحت عنوان "مواقع الأفلاك في أخبار تليماك" ثم أعقب رفاعة الطهطاوي تلميذُه محمد عثمان جلال (1828-1898) فترجم رواية الأديب الفرنسي: برناردان دي سان بيير (1737-1814) "بول وفرجيني" تحت عنوان "الأماني والمنة في حديث قبول ورود جنة".

ومن الجدير بالذكر أن محمد عثمان جلال يكاد يكون قد تخصص في ترجمة وتعريب أعمال عدد غير قليل من أدباء القرن السابع عشر الفرنسي، فقد نقل إلى العربية مجموعة من مآسي راسين، وأسماها "الروايات المفيدة في علم التراجيدة" ومجموعة أخرى من ملاهي "موليير" وأسماها "الأربع روايات من نخب التيترات"، و"مأساة كورني" الشهيرة تحت عنوان "السيد" كما نقل إلى العربية شعراً "خرافات لافونتين" تحت عنوان "العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ"[1].

ومع مطلع القرن العشرين بدأت موجة أخرى من ترجمة أعمال الأدباء الفرنسيين، ولكن بصورة أكثر حرية في إضفاء الطابع العربي على الأثر الأدبي الغربي، واشتهر في ذلك الوقت اسم مصطفى لطفي المنفلوطي (1876م – 1924م) بترجماته المتميزة بأسلوبها العربي الرشيق، فترجم رواية الأديب الفرنسي برناردان دي سان بيير "بول وفرجيني" تحت عنوان "الفضيلة" وكذلك رواية الكاتب الفرنسي الفونس كاز "تحت ظلال الزيزفون" تحت عنوان "مجدولين" كذلك استطاع الشاعر حافظ إبراهيم (1871م – 1932م) أن يحظى بشهرة كبيرة عن ترجمته جزءاً من رواية الشاعر والأديب الفرنسي الشهير فكتور هوجو "البؤساء"، وبالرغم من احتفاظ حافظ إبراهيم باسم الرواية الفرنسي إلا أنه تصرف بصورة كبيرة في متن النص الروائي.

وعلى صعيد آخر لا نستطيع أن نغض الطرف عن دور الصحافة في ذلك الوقت في نشر القصص الأوروبية المترجمة، فكانت هناك مجموعة من الصحف والمجلات تتسابق في نشر تلك القصص يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً؛ لما كانت تلقاه من قبول لدى جمهور القُرّاء، وقد اشتهرت من بين الصحف جريدة "السفور" (1915م – 1925م) وجريدة "مصباح الشرق"، ومن بين المجلات مجلة "البيان" (1911م – 1919م)، ومجلة "الرواية". وإذا كانت مجلة "البيان" شبه متخصصة في تقديم أعمال الكُتّاب الإنجليز فإن جريدة "السفور" قد أخذت على عاتقها تعريف قرائها بمشاهير الأدب الفرنسي من أمثال لابرويير (1645م – 1696م) وفكتور هوجو (1802م – 1882م) وأناتول فرانس (1844م – 1924م). كما أنها خصصت عموداً لنشر القصص الفرنسية المترجمة أسمته "عمود القصص"، وكان أغلب ما ينشر في هذا العمود من قصص مختارة من الإنتاج القصصي، لرائد القصة القصيرة في الأدب الفرنسي جي دي موباسان (1850م – 1893م)[2] وهذا ليس غريبا إذا ما عرفنا أن الأخوين الأديبين محمد تيمور ومحمود تيمور كانا رئيسي تحرير تلك الجريدة على مدى خمسة عشر عدداً خلال عام 1918م، وقد عرف عنهما شغفهما الكبير بجي دي موباسان، وتأثرهما بفنه القصصي المتميز.

أثر موباسان:
يتضح مما سبق مدى انتشار القصص والمسرحيات الأوروبية المترجمة في بداية هذا القرن، وبالرغم من ذلك فقد كان هناك عدد من الكتاب حاولوا خوض تجربة تأليف قصص عربية ومصرية خالصة، للتَّحرُّر من قيود النص الغربي، وما يعتريه من مضامين وثقافات، وموروثات غربية دخيلة، فكانت هناك محاولات لصالح حمدي حماد في "البائسات" و"أحسن القصص"، وأخرى لمصطفى لطفي المنفلوطي في "اليتيم" و"الحجاب" و"الهاوية" و"العقاب"، ولكن يُجمِع الكثير من مؤرخي الأدب العربي ونُقّاده - سواء العرب منهم أم المستشرقون - على أن القصة العربية الفنية ظاهراً ومضموناً لم تظهر إلا على يد الكاتب المصري محمد تيمور (1892م – 1921م) وذلك حين كتب قصته القصيرة "في القطار"، التي تعد أول قصة فنية قصيرة في الأدب المصري، بل الأدب العربي الحديث.
كما يظهر بوضوح تأثر محمد تيمور برائد فن كتابة القصة القصيرة في فرنسا جي دي موباسان في كل إنتاجه القصصي، كما كان سبباً مباشراً في حث أخيه الأصغر محمود تيمور على تمثل خطى موباسان طوال مشواره الأدبي الممتد مع القصة العربية، حتى أصبح شيخاً لها واشتهر بلقب (موباسان مصر)[3].

لقد ألَّف محمد تيمور سبع قصص قصيرة هي على الترتيب:
1- "في القطار" - 7 يونية 1917م.
2- "عطفة (ال ...) منزل رقم 12"- 18 يونية 1917م.
3- "بيت الكرم" - 2أغسطس 1917م.
4- "حفلة طرب" 24 أغسطس 1917م.
5- "صفارة العيد" - 7 سبتمبر 1917م.
6- "رب لمن خلقت هذا النعيم؟" - أول أكتوبر 1917م.
7- "كان طفلاً فصار شاباً" - نوفمبر 1917م[4].

وقد جمع محمد تيمور قصصه السبع في مجموعة أسماها "ما تراه العيون"[5]، ومثل هذا العنوان إنما يوضح تأثر محمد تيمور بمنهج موباسان الواقعي في كتابته القصصية. فقد استطاع محمد تيمور رصد موضوعات قصصه من ثنايا مفردات الحياة اليومية للمجتمع المصري، وتمكن من صياغة خيوط تلك الصور في نسيج مترابط، ينبض بحبكة فنية ووعي أدبي بمقومات القصة القصيرة وتقنياتها، كما عرفها عند رائدها الفرنسي.

وأهم ما كان يحلُم محمد تيمور بتحقيقه هو تمصير الآداب الفرنسية التي اطلع عليها وتأثر بها أثناء إقامته بفرنسا لمدة ثلاث سنوات متنقلاً بين باريس العاصمة ومدينة ليون في الجنوب. فقد كان رائداً في النزوع إلى كتابة أدب أصيل ومتسم بالصبغة المصرية والألوان المحلية، وأحد جوانب هذه الصبغة المصرية والألوان المحلية، تلك الملامح والسمات الإسلامية التي كانت تميز موضوعات قصصه القصيرة وخاصة الموباسانية المصدر منها، وهذا ليس بغريب على محمد تيمور الذي نشأ وترعرع في بيئة أسرية عرفت بريادتها في العلوم العربية والإسلامية، وخاصة والده العلامة المعروف أحمد باشا تيمور (1871م – 1930م) الذي ترك للمكتبة العربية والإسلامية العديد من المؤلفات القيمة والمخطوطات النادرة، هذا إلى جانب تلك المكتبة النفيسة التي ضمت بين دفتيها ما يربو على ثمانية عشر ألف كتاب ومجلد ومخطوط، أهداها جميعاً لدار الكتب المصرية فأصبحت ملتقى الدارسين والباحثين[6].

نموذج من قصصه:
وإذا ما أردنا أن نتاول بالدراسة والتحليل إحدى قصص محمد تيمور للوقوف على منهجه وأسلوبه في تعريب وتمصير - بل أسلمة - إحدى قصص جي دي موباسان الفرنسية لوجدنا المثال الواضح على ذلك، قصته القصيرة بعنوان "رب لمن خلقت هذا النعيم؟".

وتعتبر هذه القصة القصيرة الوحيدة بين مثيلاتها في المجموعة التي لها مقابل بين قصص الكاتب الفرنسي الثلاث مئة. فقد قام محمد تيمور بتعريب قصة جي دي موباسان القصيرة المعنونة Clair de lune "ضوء القمر" [7] والتي نشرها موباسان أول ما نشرها بجريدة "Gil Blas" "جيل بلاس" في التاسع عشر من أكتوبر 1882[8].

وقد ذكر محمد تيمور ذلك صراحة في صدر قصته، ولكن دون أن يشير إلى عنوان القصة الفرنسية التي قام بتعريبها حين قال: "هذه القصة لموباسان الكاتب الفرنسي الشهير بدَّل المُعرِّب أشخاصَها وزمانها ومكانها وموضوعها ممصراً كلَّ شيء فيها، فلم يبق من الأصل إلا روح الكاتب، واتَّبع المعرِّب في ذلك خطة تولستوي في قصصه التي نقلها عن موباسان[9].
بعد هذا الاعتراف الواضح الصريح بما أحدثه محمد تيمور من تغيير في النص الفرنسي لموباسان، شمل الشخصيات والزمان والمكان والموضوع، لم يتبق لنا سوى مقارنة النصين؛ الفرنسي والعربي؛ للوقوف على ملامح هذا التعريب وذاك التمصير الذي أحدثه محمد تيمور، وإلى أي مدى استطاع أن يضفي الطابع الإسلامي على تلك القصة الفرنسية ذات الطابع المسيحي الخالص.

1- العنوان:
من الواضح أن محمد تيمور قد استلهم عنوان قصته: "رب لمن خلقت هذا النعيم؟" من خلال ذلك السؤال الذي كان كثيراً ما يطرحه على نفسه بطل قصة موباسان؛ القس مارينيان في كل مرة يفكر فيها في مخلوقات الله؛ كالشفق، والأيام، والأمطار، والماء، والليل. فكثيراً ما كان يسأل نفسه قائلاً: Pourquoi Dieu a-t-il Fait Cela? "لماذا خلق الله هذا؟"[10] إلى أن يصل إلى الاهتداء إلى الإجابة على هذا السؤال فيما يتلعق بضوء القمر، وسحر لياله، وهذا هو محور موضوع القصة عند موباسان، وكذلك عند محمد تيمور. فقد طرح بطل القصة العربية على نفسِه السؤال نفسَه عند تجوله في حديقة قصره، ورؤيته القمر لامع الصفحة، والنجوم الزاهية، فقال مخاطباً ربه: "رب لمن خلقت هذا النعيم؟"[11].

ففي الوقت الذي اختار فيه موباسان ضوء القمر كعنوان مباشر لقصته، فضل محمد تيمور أن يختار عنواناً مشوقاً هو: عبارة عن مناجاة الله في صورة سؤال، مما يثير فضول القارئ، ويدفعه إلى أن يلتهم القصة التهاماً، لكي يصل إلى ملابسات الإجابة عليه.

2- موضوع القصة:
تتبلور عقدة الموضوع في قصة موباسان عندما تخبر زوجة خادم الكنيسة القس مارينيان ذات يوم - أثناء قيامها ببعض الأعمال المنزلية بسكنه - بأن ابنة أخته قد اتخذت لها عشيقاً، وهي تذهب لمقابلته دوماً ما بين العاشرة مساء ومنتصف الليل على ضفاف النهر. فيفقد القس صوابه، ولا يكاد يصدق ما يسمع، خاصة وقد عُهِد إليه أمرُ تربيتها،[12] وشعر بالخزي والعار، فهو المنوط به تعليم الأخلاق ونشر الفضيلة. وخرج من المنزل وقد استشاط غيظاً وأمسك بعصا كبيرة؛ لإنزال العقاب الرادع بابنة أخته، وأثناء توجهه إلى حيث لقاؤهما المعتاد بهره ضوء القمر الساطع، وما يسكبه من أشعة فِضية على أغصان الأشجار، وما تشدو به الأطيار من ألحان، فأخذ يسأل نفسه كما اعتاد: لماذا خلق الله هذا؟! وبينما هو على هذه الحال من التفكير والمناجاة إذ رأى ابنة أخته وحبيبها وسَط تلك الجنة الغناء على أطراف البراري، تحت ضوء القمر، فولى هارباً خجولاً؛ لإدراكه أنما خلق الله جمال الطبيعة، وسحر القمر للمحبين[13].

وعندما أراد محمد تيمور أسلمة تلك الملابسات، والتفاصيل الغربية جعل بؤرة موضوع قصته تدور في إطار تلك العَلاقة السامية المشروعة، وهي رابطة الزواج، وأصبحت القصة لديه تحكي عن رجل غني متدين، له بنت جميلة، أراد أن يزوجها لشاب من الشباب الأغنياء المتعلمين الذين يتطلعون لمثل هذا الزواج، ولكن الفتاة رفضت، وأعلنت عدم رغبتها في الزواج، وأصرَّ الوالد، وبكت الفتاة، وحزِنت لها أمها، وحاولت أن تعرف سرَّ ابنتها؛ لتساعدها، ولكن الابنة لزمت الصمت. حتى كانت ليلة أرِق فيها الأب فخرج إلى حديقة قصره يتمشى، فأخذه جمال ضوء القمر الساطع مع سحر الطبيعة من حوله فراح يسأل نفسه: "رب لمن خلقت هذا النعيم؟!" ولمح شبحين في الحديقة تبين فيهما ابنته وشاباً جميل المُحيّا هو ابن أحد جيرانه الفقراء، وسمعه يقول لها دون أن يرياه: "أنا مرغم على تركك يا حبيبتي، وإني أقسم لك أني سأبقى على عهد حبي الطاهر الشريف إلى أن يضم عظامي القبر"[14].

فقال الرجل لنفسه بعد أن فكر قليلاً فيما رآه وفيما سمعه: "رب إنك خلقت النعم للمحبين، ولعَمْرى ما تلك ألا جنة الحب" [15].

ويحرص محمد تيمور في النهايه على ألا يترك الأمور معلّقه، و ينهي قصته بنزول الأب على رغبة ابنته، وتقام حفلة زواج ابنته الغنية بالشاب الفقير .

3-الشخصيات:
تقام القصة في بنائها على شخصية رئيسة هي شخصية القس مارينيان عند موباسان وشخصية محمد بك عبد القادر عند محمد تيمور، ثم يأتي بعد ذلك دور الخصيات الثانويه. فالقس مارينيان له أخت وابنة أخت يقطنان في منزل بالقرب من مسكنه الديني الخاص به في الريف الفرنسي، وهو القائم على رعاية شؤونهما .
أما عند محمد تيمور، فتلك العَلاقة الأسرية بين الشخصيات تأتي في إطار أسرة واحدة، مكونة من: محمد بك عبد القادر الأب، وزوجته، وابنته الوحيدة.

القس مارينيان: رجل دين مسيحي، عُرِف على مستوى قريته بالتزامه الشديد بالتقاليد المسيحية، وها هو موباسان يصفه في بداية قصته قائلاً: "إنه لاسم على مُسمّى، ذلك الذي يدعى به القس مارينيان، فقد كان كاهناً طويل القامة نحيفها، متعصباً، جياش العواطف، لكنه مستقيم السلوك، ذو معتقَدات راسخة لا يشوبها أيّ اهتزاز؛ لذلك كان يعتقد - بإخلاص - أنه أحد العارفين بالله، وعلى دراية بمراده وإرادته وحكمته"[16].

وعندما أراد محمد تيمور أن يمصر تلك الشخصية المسيحية، رسمها بملامح إسلامية خالصة في المظهر والسلوك، وبصورة واقعية تتفق مع البيئة المصرية والإسلامية في عصره. فمقابل شخصية القس مارينيان عند موباسان رسم لنا محمد تيمور في مطلع قصته ملامح شخصية محمد بك عبد القادر على النحو التالي:
"محمد بك عبد القادر رجل في الخامسة والخمسين من عمره، أقنى الأنف، أسود العينين، مقرون الحاجبين يقص شاربه ويُعفي لحيته، إن مشي يسير الهوينى، وإن جلس يتربع على كرسيّه بعد أن يخلع خفيه، يرتدي (الردبخوت) ولا يحب سواها من الملابس الإفرنجية؛ لأنها أقربها صورةً بمظاهر الصلاح والتقوى. مسلم في كل أقواله وأفعاله، يذب عن الدين كلما تعرض له ملحد لا يتقي الله في دينه ولا دنياه، ويدافع عن حجاب المرأة في كل مجلس يناقش فيه أصحاب مذهب السفور مع المحافظين، وإن رأى شاباً جالساً في حانٍ يتعاطى كأساً من الخمر وقف في مكانه كالمصعوق، ثم بصق على الأرض ومشى في سبيله وهو يرتل آيات القرآن. له في بنك (الكريدي ليونيه) عشرون ألفاً من الأصفر الرنان، لا يتعاطى عنها فائدة مُتَّبعاً قوله – تعالى -: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}[17].
من هذا الوصف يتضح حرص محمد تيمور على إبراز كل الملامح الإسلامية التي من شأنها أن تجعل من بطل قصته المقابل الواقعي والمثال الوافي لمعطيات شخصية القس مارينيان عند موباسان.

بل نلاحظ أيضاً أنه في الوقت الذي يجعل فيه موباسان من القس مارينيان عدواً للمرأة، مؤكداً على كراهيته الحانقة لها، واحتقاره لها بلا وعي، ومحاولاته الدائمة للاستشهاد بأقوال المسيح والشعراء؛ للتدليل على عدم طهارتها، وخبث طويتها، وغوايتها الدائمة للرجل[18]، نجد أن محمد بك عبد القادر يحترم المرأة، ويقدرها، إذ تنبع رؤيته لها، وانطباعاته عنها من خلال عقيدته الإسلامية التي تجل المرأة وتكرمها؛ لذلك يصور محمد تيمور بطل قصته وهو يدافع عن حجاب المرأة في كل مجلس يتناقش فيه أصحاب مذهب السفور مع المحافظين، ويتبع ذلك حرصه واهتمامه الشديد بإحصان بنته والسعي لزواجها زواجاً يليق بها، وفي النهاية لم يرد أن يجبر ابنته على زواج لا ترضاه، ووافق على زواجها من شاب فقير أقل منها حسباً ونسباً ومالاً.

تمصير المكان:
أشار موباسان في بداية قصته إلى أن القس مارينيان يسكن مسكناً دينياً صغيراً بالريف الفرنسي، ويشتمل هذا المنزل على حديقة صغيرة متواضعة، وكذلك عندما وصف لنا موباسان جمال البيئة الطبيعية الخلابة التي تأثر فيها القس مارينيان بضوء القمر كان ذلك خارج إطار منزله، وسَط البراري الفسيحة بالريف.

أما عنصر المكان في قصة محمد تيمور: فقد وظفه توظيفاً يتلاءم تماماً مع ما أحدثه من تعريب لموضوعها، وشخصياتها، والظروف الاجتماعية والحياتية لأسرة محمد بك عبد القادر المسلمة؛ لذلك نلاحظ أن مجمل الأحداث لم تتعد إطار قصر محمد بك عبد القادر وحديقته اللذين يطلان على ضفاف النيل:
"يسكن محمد بك في قصر جميل على ضفاف النيل، تحوطه حديقة غناء، تتمايل أشجارها كلما داعبها النسيم، وتسمع فيها موسيقى الطيور ممزوجة بألحان أمواج النيل، تلك موسيقى جميلة هادئة، كأنها صوت الحب في آذان العاشق اليائس، وإذا ظهر الشفق خلف النخيل، وارتدت السماء ثوبها الأحمر قبيل الغروب خيل للناظر أن هذا الاحمرار هو دموع الليل يودع النهار. وإذا بزغ القمر في القبة الزرقاء في ليلة من ليالي الصيف، ود صاحب البيت ألا يفارق الحديقة حتى مطلع الفجر، هذا هناء كبير جادَ به اللهُ على هذا الشيخ الصالح؛ مكافأة له على عبادته وصلاحه. فهو به قرير العين، مثلوج الفؤاد، تلوح عليه أرْيحِيّة السرور كلما ذكر الله، ويلمع في غرته نور البِشر كلما صلى على نبيه"[19].

هذا الوصف البديع لمكان الأحداث، الذي تُمزح فيه الرومانسية الفياضة بروحانية إسلامية شفافة، إنما يدل على إدراك محمد تيمور الفني الرفيع لعنصر المكان، وما يمكن أن يلعبه من دور في صياغة أحداث قصته. كما أن وصف الطبيعة بهذا المستوى الرصين قد أسهم إسهاماً أساساً في إتقان حبكة القصة. حيث إن الإحساس بهذا الجمال والانفعال به كان هو الدافع الأول لأن يغير محمد بك عبد القادر موقفه من زواج ابنته، ويرضى بمن اختارته زوجاً لها حتى ولو كان فقيراً.

كما أنه من غير المنطقي أن يتمكن الأب من اكتشاف سبب إعراض ابنته عن الزواج وملاحظته إياها مع حبيها بعيدا عن الحيز الجغرافي لقصره وحديقته لما أفهَمَنا إيّاه مُعرِّب القصة من أنها نشأت نشأة إسلامية محافِظة، من خلال وصفه لشخصية أبيها في بداية القصة.

هذا على عكس ما حدث في قصة موباسان حيث إن معرفة القس مارينيان بسلوك ابنة أخته كان قائماً على عنصر الإخبار من قبل زوجة خادم الكنيسة، لذلك كان من الضروري أن يسعى هو إلى حيث يلتقيان بعيداً عن أعين الناس.

لذلك كان عنصر وصف الطبيعة عند موباسان خارجياً أي وسط الريف وعلى أطراف البراري، في حين أدرك محمد تيمور أن وصف الطبيعة في قصته لابد وأن يكون داخلياً؛ لذلك لم يجعله يتجاوز حدود قصر بطل قصته.

بهذا يظهر لنا أن الترجمة والنقل - نقل الآداب العالمية - تستطيع أن تساهم في حركة الأدب الإسلامي، ويستطيع الكاتب - ما دام هو نفسه أديباً وكاتب قصة - أن يحول المكان والشخصيات ويضعها في إطار يناسب البيئة الإسلامية، ويكون هذا الأمر صورة أخرى غير الترجمة الناقلة للعمل الغربي نفسه، ومحتفظة له بإطاره المكاني وبنمط تصرفات شخصياته المخالفة للسلوك الإسلامي، أو المختلفة عنه.

وتستطيع هذه الصورة من نقل الآداب العالمية التي يؤسفنا توقفها في بلادنا العربية. تستطيع أن تساهم في حركة التأليف والإبداع، يتعبير آخر يمكن أن تكون الترجمة عموماً والأسلمة بهذه الصورة مدرسة ينشأ منها ومن كل المكونات الأخرى جيل يكتب ويبدع.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1948


خدمات المحتوى


وفاء حسين الحويطي
تقييم
1.00/10 (1 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.