في
السبت 26 جمادى الثاني 1438 / 25 مارس 2017

جديد الأخبار


03-15-1432 12:44 PM

المحاضرة الأولى : السبت 16ـ3ـ1432هـالموضوع الأول

مفهوم النقد الأدبي لغة واصطلاحا

اـــ النقد الأدبي قديما

فى القاموس المحيط ولسان العرب وغيرهما: النقد والنقاد والانتقاد تمييز الدّراهم وإخراج الزّيف منها، أنشد سيبويه1)
تنفي يداها الحصَى في كلّ هاجرةٍ نفَى الدّراهم تنقادُ الصّياريف
و نقدتُ الدّراهَم وانتقدتها أخرجتُ منها الزَّيف فهذا المعنى اللغوي الأول يشير إلى أنّ المراد بالنقد التمييزيين الجيد والرّديء منا لدّراهم والدنانير، وهذا يكون عن خبرة وفهم وموازنة ثمّ حكم سديد وهناك معنى لغوي آخر يدلُّ عليه قولهم أيضا نقدتُ رأسَهُ

بأصبعي إذا ضربتُهُ ونقدت الجوزة أنقدها إذا ضربتها وعلى ذلك يفسّر حديث أبى الدرداء أنّه قال: إن نقدتَ النّاسَ نقدوكَ وإن تركتهم

تركوكَ معناه إن عبتَهم وَاغتبتهم قابلوك بمثله فالنقد هنا معناه العيب والثلم أو التجريح وضدّه الإطراء والتقريظ من قرّظ الجلد

إذا دبغه بالقرط وأديم مقروظ إذا دُبغ أوطلى به وذلك إنما يكون للتحسين والتّجميل فالنقد للذّمّ والتقريظ للمدح والثناء. ومن المعاني

التي تستعمل فيه هذه المادّة لدغ الحيّة، وقبض الدراهم و أخذ الطائر الحبّ واحدة . وأمّا في الّلغات الأوروبيّة فإن كلمة

Critique مشتّقة من الفعل اللّاتينى Krinemبمعنى «يفصل» أو يميز وحين يميز الشى‏ء عن شي‏ء آخر، في تلك اللغات فإن

معنى هذا أنّه يؤكّد وجود شى‏ء يمكن تصنيفه مع نظيرة من الأشياء التي لها صفات متشابهة معه بدرجة قليلة أو كثيرة وهذا يظهر

معنىً أوليا لكلمة نقد وهو تميز شيء عن نظيره ويمكننا إذا تتبعنا تطور كلمة«نقد» فى القرن السادس عشر، سنجد أنّها ظهرت

في بادئ‏ء الأمر في المجال الفلسفي للدّلالة على تصحيح الأخطاء النّحوية أو إعادة صياغة كل ما هو ضعيف في المؤلّفات الأدبيّة

اليونانية ثمّ تطوّر ذلك المصطلح فى القرنين السابع والثّامن عشر، واتّسعت حدوده حتّى شملت وصف وتذوق المؤلّفات الأدبيّة في

وقت معا

أما في القرن الماضي، فقد استخدمه عدد من الكّتاب والمفكّرين بمعنى الحكم أو تفسير الأثر الأدبي، ويمكن أن يشف هذا المعنى من

الدّراسات التي أجراها «تين» و«برونتير» وغيرهما من المفكّرين الذين أعطوا للنقد طابعا وضعيّا، نتيجة تأثّرهم بمناهج

وقوانين العلوم الطبيعة التي ذاعت في ذلك القرن فالنظرة السريعة عبر الاتجاهات المختلفة في ذلك القرن كفيلة بأن تطلعنا على أن

أغلب المفكرين كانوا على الدّوام يستخدمون كلمة «نقد» متأثرة بمنطق العلم الوضعي.

أمّا في هذا القرن حيث تطورت العلوم الإنسانية واللغوية، نجد أنها

(أية كلمة نقد)، قد استخدمت من قبل عدد من النقاد بمعنى فهم الأثر الأدبي والبحث في دلالاته ومعاينه.
ولكن مِن المؤكد أن كلمة«نقد» لازالت تبدو كلمة غامضة، فهي تستخدم تارة بمعنى معرفة الأثر والحكم عليه أو فهمه، وطورا آخر بمعنى تفسيره...(2)
فهذه هي أهّم المعاني اللغويّة لمادّة النقد ولعلّها أو أكثرها ملائم لما يراد هنا من معنى، فقد استعمل النقد في معنى تعقّب الأدباء

والفّنيين والعلماء والدّلالة عَلى أخطائهم وإذاعتها قصد التشهير أوالتعليم، وشاع هذا المعنى في عصرنا هذا وصارت كلمة النقد إذا

أطلقت فهم منها الثلب ونشر العيوب والمآخذ وقديما ألف أبو عبيد اللّه محمد بن عمران المرزبانى المتوفّى سنة 438 ه (كتاب

الموشح) في مآخذ العلماء على الشعراء ضمنه ما عيب على الشعراء السابقين من لفظ أو معنى أو وزن أو خروج على المألوف من

قوانين النحو والعروض والبيان، وشاع بجانب ذلك عندنا تقريظ الكتب والأشخاص والمذاهب السياسية والاجتماعية والآثار الفنيّة

مما يعد أكثره رياءً ومجاملةً دون أن يكون له حظ حقيقي من الحّق والإنصاف فهذا الاستعمال له أصل لغوى كما رأيت وإن لم يكن

هو المقصود المقرّر بين النّقاد المنصفين.

2- أمّا المعنى اللغوي الأوّل فلعلّه أنسب المعاني وأليقها بالمراد من كلمة النقد في الاصطلاح الحديث من ناحية وفى اصطلاح أكثر

المتقدّمين من ناحية أخرى فإنّ فيه كما مرّمعنى الفحص والموازنة والتمييز والحكم وإذا ما وقفنا عندما يقوله الثقات من النقاد

رأيناهم لايجا وزون هذه المعاني من حدّ النقد وفى ذكر خواصه ووظيفته، فالنّقد دراسة الأشياء وتفسيرها وتحليلها وموازاتها بغيرها

المشابهة لها أو المقابلة، ثمّ الحكم عليها ببيان قيمتها ودرجتها، يجرى هذا في الحّسيات والمعنوّيات وفى العلوم والفنون وفى كلّ وشى‏ء متصّل بالحياة.(3)
وقد رأينا السّابقين الذّين كتبوا فى النقد العربي أميل إلى حمل لفظ النّقد على هذه المعاني المتواصلة، فنقد الشعر لقدامة ونقد النثر

المنسوب له خطأ وكتاب العمدة لابن رشيق فى صناعة العشر ونقده ثمّ ما يتّصل بذلك من كتب الموازنة، كلّها عبارة عن دراسة

الشعر أو النثر وتفسيرهما وبيان عناصرهما وفنونهما وما يعرض لهما من أسباب الحسن أو القبح والتّنبيه على الجيد المقبول

والرّدى‏ء المنبوذ إلى نحو ذلك ممّا هو إيضاح وعرض ثمّ تفسير وموازنة ثمّ أحكام ونصائح أو قوانين نافعة في فنّ الأدب منظوما
ومنثورا.
3- وهنا نستطيع أن نتقدّم قليلاً فنذكر ما يقوله المحدثون في تعريف النقد فهو عندهم التقدير الصّحيح لأي أثر فني وبيان قيمته في

ذاته ودرجته بالنّسبة إلى سواه والنقد الأدبي يختصّ بالأدب وحدّه وإن كانت طبيعة النقد واحدة أو تكاد، سواء أكان موضوعه أدبا أم

تصويرا أم موسيقى(4)
فالنقد الأدبي في الاصطلاح هو تقدير النّصّ الأدبي تقديرا صحيحا وبيان قيمته ودرجته الأدبيّة ولإيضاح هذا التعريف وتحليله

نستطيع أن نذكر بجانبه الملاحظات الآتية:

(1) يبدأ النقد وظيفته بعد الفراغ من إنشاء الأدب، فالنقد يفرض أن الأدب قد وجد فعلا ثمّ يتقدّم لفهمه وتفسيره وتحليله وتقديره ؛

والحكم عليه بهذه الملكة المهذّبة أو الملهمة التي تكون لملاحظاتها قيمة متميزة وآثار محترمة أمّا القدرة على إنشاء الأدب وتذوّقه

فليس فى مكنة النقد خلقها من العدم وإن كان يزيدها تهذيبا ومضاء على أنّ هذه الملكات الثلاث إنشاء الأدب وقدرته ونقده ـ قد توجد

معا متجاورة متعاونة في نفس الأديب الموهوب.

(2) يدلّ هذا التعريف على أنّ الغرض الأوّل من النقد الأدبي إنّما هو تقدير الأثر الأدبي ببيان قيمته في ذاته قياسا على القواعد أو

الخواصّ العامّة الّتى يمتاز بها الأدب بمعناه العام أو الخاص وهو النوع التوضيحي الذي يعين على الفهم الذّوق. وأمّا القول في

درجته بالنّسبة لغيره فهو فى منزلته الثانية ومثله فى ذلك محاولة ترتيب الأدباء ترتيبا مدرّجا حسب كفايتهم المتفاوتة أو وضع

نظام الموازنة بين آثارهم المختلفة وهو النوع الترجيحي الذي يعنى بالمفاضلة بين الأدباء وذلك لكثرة الفروق الأساسية بين

الشعراء والخطباء والكتاب و المؤلّفين وقلّما نجد منهم طائفة بينها مشابهات تسمح بعقد هذه الموازنة التي تحدّد براعتهم المتقابلة

فإذا سئلت عن جرير والفرزدق والأخطل أيّهم أشعر، فجوابك السّديد هو أن كلاً منهم أشعر معنى ذلك أن كلاً منهم يفضل زميليه

ببعض الصفات اللفظيّة أو المعنوّية أو الموضوعية فى حين أنك قد لا تجد بينهم من وجوه الاتفاق ما يكفى لعقد موازنة صالحة، ومع

ذلك فيستطيع كلّ إنسان أن يؤثّر ما يحبّه ويرفض ما عداه من آثارهما جميعا، وعلى النقد توضيح الميزات الجوهرية لتفوق كلّ

شاعر، فيساعدنا بذلك على تقدير كلّ منهم تقديرا أقوم وأهدى سبيلاً. (5)

) ومها تكن وظيفة النقد وغايته التي يعمل لتحقيقها فلابد للنّاقد أن يكون ثاقب النظر، سريع الخاطر، مهذّب الذوق،قادرا على
المشاركة العاطفية (التعاطف) مع الأديب والبراءة من المؤثّرات التي تفسد عليه أحكامه كما يمرّ بك فيما بعد، وذلك كلّه فوق الثقافة
الأدبية العلمية، والتمّرس بالأدب، ومعرفة أطواره التاريخيّة، وصلاته بالفنون الأخرى، وحسن فهمه وتعمّقه، إلى أبعد غاية، ليتسر له

الإنصاف والحكم الصّحيح، وقد استطاع پوب (Pob) أن يرد المصادر الرئيسية التي يستقى منها النقد إلى مراجع ثلاثة1) وهى

فكرة الطبيعة (2) وفكرة آثار السلف (3) وفكرة العقل، ولا بدّمن الرجوع إلى الثلاثة جميعا وليس معنى هذا أنّ الأديب مُطالب بأن

يكون موزعا بين هذه الثلاثة لأنّ سلطان كلّ من هذه المراجع مثبت لسلطان سائرها فالواجب أولا أن نتبع الطبيعة ولكن لكي يتسنّى

ذلك لا بدّمن دراسة آثار القدماء، لأنّ القدماء كانوا على وفاق مع الطبيعة، وليس هناك خلاف بين الطبيعة وبين الشعر القديم،

ودراسة القدماء معناها دراسة الفنّ الأصيل الذي ينطبق دائما على العقل، وسيأتي إيضاح ذلك في أثناء الفصول الطويلة في كتب النّقد
.
(4) وإذا كان موضوع الأدب هو الطبيعة والإنسان، فإن موضوع النقد الأدبي هو الأدب نفسه أي الكلام المنثور أو المنظوم الذي

يصوّر العقل والشعور، يقصد إليه النقد شارحا، مُحَّلاً، معلّلاً، حاكما، يعين بذلك القّراء على الفهم والتقدير، ويشير إلى أمثل الطرّق

فى التفكير والتصوير والتّعبير، وبذلك يأخذ بيد الأدب والأدباء والقرّاء إلى خير السُبُل وأسمى الغايات والنقد يقوم على ركنين

مباشرين الناقد والمنقود ونكتفي هنا برأي ناقدين هما: رولان بارت وجولدمان.

يرى رولان بارت: إن عمل النّاقد يتّسم بعدّة خصائص معيّنة، أهمّها تعقيل الأثر الأدبي تعقيلاً تامّا، اى النظر إليه وإلى وحداته أو

عناصره على ضوء مجموعة من المبادئ المنطقيّة.(6)

ويقول جولدمان: «إنّ النقد الأدبي أوّلاً وقبل كلّ شي‏ء هو الدراسة العلميّة للأثر وهذه الدّراسة تخصص على أساس فهم وتفسير

الأثر تفسيرا مماثلاً ويشرح لنا جولدمان المقصود بالتفسير المماثل، فيقول إنّهُ استخلاص المميزات الخاصّة للأثر المنبثقة من

مجموعة علاقات منطقيّة وربطها بالملامح العامّة للبينات الكلية للمجتمع.

ب: المفهوم الحديث للنّقد الأدبي
أخطر ما يتعرض له مفهوم النقد الحديث عندنا هو الفصل بين النقدـ

بوصفه علّما من العلوم الإنسانيّة له نظريّاته وأسسه ـ وبين النقد من حيث التطبيق.

فمن الواضح ان هذه النظريات والأسس لا تتوحّد مع النتاج الأدبي بوصفه عملاً فرديا،

فهي لم توجد ولم تتمّ متجرّدة من الأعمال الأدبيّة في مجموعها وملابساتها، ولكّنها

نتيجة لعملّيات عقليّة تركيبية مبدؤها النظر الدّقيق والتأمّل العميق للنتاج الأدبي وثمرتها التقويم

لهذه الأعمال في ضوء أجناسها الأدبيّة وتطورها العالمي. وإذن لا منافاة بين النقد نظرا وعملاً،

بل لابّد من الجانب الأوّل ليثمر النقد ثمرته، بتقويم للعمل الأدبي، صادر عن نظريات تبيّن

الملتقى العام للمعارف الجمالية واللغوية في تاريخ الفكر الإنسانى وهى غير معزولة طبعا عن التجربة الأدبيّة،

كما يزعم بعض أدعياء النقد وأعدائه الّذين ينعى على أمثالهم جون استيورات ميل فيما ق

اله من قبل (عام 1831) هذا الرّجل نظري يقولها بعض النّاس ساخرين فتتحوّل

إلى نعت ظالم جديب، أنها كلمة تعبر في حقيقتها عن اسمي جهد للفكر الإنسانى وأنبله(7)

ويقوم جوهر النقد الأدبي أولا على الكشف عن جوانب ـ النضج الفني في النتّاج الأدبي

وتمييزها عمّا سواها على طريق الشرح والتعليل ثمّ يأتي بعد ذلك الحكم العام عليها فلا قيمة للحكم على العمل الأدبي وحده وان


صيغ في عبارات طليّة طالما كانت تتردد محفوظة في تاريخ فكرنا النقدي القديم وقد يخطي ـ الناقد في الحكم، ولكنّه ينجح في ذكر

مبررات وتعليلات تضفى على نقده قيمة فيسّمى ناقدا، بل قد يكون مع ذلك من اكبر النقاد، كما حدث للنّاقد العالمي سانت بوف في

نقده لبعض معاصريه على حين لا تعدمن يصدر الأحكام على العمل الأدبي ـ دون تبرير فني ـ ناقدا، وان أصاب أذما أشبهه حينئذٍ

بالساعة الخربة تكون أضبط الساعات في وقت من الأوقات، ولكن لا يلبس أن يتكشف زيفها في لحظات.


وأقدم صورة للنقد الأدبي نقد الكاتب أو الشاعر لما ينتجه ـ ساعة خلقه لعمله ـ يعتمد في ذلك على دربة ومران وسعة اطلاع وتقتصر

أهمية هذا النوع من النقد على الخلق الأدبي. فكل كاتب كبير هو ناقد بالفعل أو بالقوة ولكن نقده قاصرعن مهمة التوجيه والشرح،

وان استمر هذا النوع من النقد مصاحبا للخلق الأدبي في كلّ عصوره.

وغالبا ما يكون النقد ـ فى مفهومه الحديث ـ لاحقا للنتاج الأدبى لأنّه تقويم لشى‏ء سبق وجوده ولكن النقد الخالق قد يدعو إلى نتاج

جديد فى سمائه وخصائصه فيسبق بالدّعوة ما يدعوا ليه من أدب بعد أفادته وتمثّل للأعمال الأدبيّة والتيارات الفكرّية العالمية، ليوفق

بدعوته بين الأدب ومطالبه الجديدة فى العصر وهذا النوع من النقد مألوف فى العصور الحديثة لدى كبار الناقدين والمجدّدين من

الكتاب وقد كان خاصّة العباقرة الذين دعوا إلى المذاهب الأدبية فى مختلف العصور، فساعدوا على أداء الأدب لرسالته، وأسهموا

كثيرا فى تجدّده مع إرساء دعواتهم( على فلسفة جماليّة حديثة تضيف جديدا إلى ميراث الإنسانية ولاشكّ أنّ قصور الثقافة النقدية

لدى اكثر كتابنا من ابرز الأسباب فى تأخّر ادبنا ونقدنا معا فى هذا العصر. وهذا ما يتخلف فيه هؤلاء الكتاب عن نظراتهم فى الآداب

العالمية الحديثة.
ج: نشأة النقد الأدبى الحديث
طبقا لما اتخذنا لأنفسنا من منهج، ولما عَرَّفْنَا به النقد الحديث، لن نعبا في نشأة النقد العربي بالأحكام العامّة التي كان يصدرها

الشعراء فى القديم بعضهم على بعض مع عدم التعليل لها، مما يروى بعضه فى أسواق الجاهليّة إذا افترضنا صحّته، وكثير منه واضح

الانتحال ويلتحق بذلك ما كان يدور فى نظير هذه الأسواق في العصر الإسلامي، كسوق المربد بالبصرة وكان التحكيم في النقد ـ في

هذه الأسواق وفى المربد ونظائرها ـ قريب الشبّه بما كان من التحكيم المسرحي فى العصور اليونانية القديمة قبل نشوء النقد

المنهجي عندهم، مما سبق أن قومناه من وجهة نظر نقد الحديث، ولعل خير ما يستدر ثمرات هذا الاتجاه، ويستخلص منه أقصى

غاية له، هو ما عبر الجاحظ حين نصح الكاتب والشاعر بالاحتكام إلى ذوق الصفوة من الجمهور والثقة في ذلك الذوق دون ضرورة

التماس تعليل فني منه: « فإذا أردت أنْ تتكلّف هذه الصناعة وتُنْسَبَ إلى هذا الأدب، فقرضتَ قصيدة، أو حبَّرتَ خطبة، أو ألّفتَ

رسالة فإيّاك أن تدعوك ثقتك بنفسك، أو يدعوك عُجبك بثمرة عقلك، إلى أن تنتحلَه وَتَّدعِيهُ ولكن اعرِضه على العلماء في عُرْضِ

رسائلَ أو أشعارٍ أو خطب، فإن رأيتَ الأسماعَ تصغي له، والعُيونَ تَحدجُ إليه، ورأيتَ مَن يطلُبُه ويستحسنه، فانتحله، فإذا عاوِدت، (

9) أمثال ذلك مرِارا فَوَجدْتَ الأسماعَ عنهُ منصرفة، والقلوب لاهية، فخذ فى غير هذه الصناعة واجْعَل رائدك الذي لا يكذبكُ حرصهم

عليه أو زهدهم فيه».(10)
ولمّا كان عهد النّهضة واتّصل الشرق بالغرب، وقف أبناء هذه البلاد على أساليب الغرب في هذا الباب، وعرفوا أنّ النقد ذو أصول

وطرق، وأدركوا ماله من أهميّة في توجيه الكتابة والتّأليف، وماله من أفضال على نهضة الشعوب وكانت العلوم والفلسفة قد أدركت

شوطا عظيما من التّقدم، والعقل قد وقف أمام الماضي موقف الشكّ وأمام الحاضر والمستقبل موقف التفّهم والكشف على الأسرار

الطّبيعة، وتعدّدت فى هذا العهد وسائل التحري، ونشرت الطباعة ما كان مخبئّا أو ما كان في متناول العدد القليل من النّاس ونُبشت

خزائن المخطوطات و هكذا كان لاتصال الشرق بالغرب وبأساليبه التقليدية ولتخرّج الطلبة عَلى أساتذة توفّر لهم الذّوقُ الفني

والثّقافية الأدبيّة الرّاقية ولتقدم العلوم السيكولوجيّة والتّاريخية، ولاتساع المجال لحرّية القول والكتابة ولا سيما بعد الحرب الكونيّة

الأوُلى ـ أثر بليغٌ في نشأة الرّوح النقديّة العصريّة عند أبناء الشّرق، فوثب النّقد وثبة عظمية وراح يجرى على مقاييس عقليّة

وفلسفيّة، ويعتمد المنطق ومتقصّيا المعاني قبل المباني، متجرّدا من الأميال والأهواء الشخصيّة قدر المستطاع، لا ينظر إلّا بعين العلم

ليزن كلّ شي‏ء يميزانه(11)
فلّما كان العصر الحديث أخذ الأدباء يثوبون إلى أنفسهم، بل قل أخذوا يستكشفونها من جديد استكشافا؛ وكان البارودي من أسبق

شعرائنا إلى ذلك، بل كان إما مهم غير منازع، فقد صور نفسه وعصره وظروف قومه وثورتهم على الخديوي إسماعيل وتوفيق

وموقفهم من ذلك تصويرا رائعا ثمّ كان الاستعمار الغربي المشؤوم، فانبرى شعرائنا مع الشعوب العربيّة يصارعونه وأخذوا

يصوّرون متقاعس هذه الشعوب وحرمانها من حقوقها السياسيّة والطّبيعيّة فى العيش الكريم وبذلك انبثق فى شعرنا لونان جديدان؛

هما الشعر السياسي الوطني والشعر الإجتماعى، على نح معا وما هو معروف عن حافظ إبراهيم وأحمد شوقي وإضرابهما وظهر جيل

جديد مِنَ الشباب فى أوّل هذا القرن يستشعر فى أعماقه نكبة الاحتلال وما يذوقُ المصريين من ظلم وعذاب، فاكتأب وقلق وصوَّرَ هذه

الكآبة والقلق شعرا بديعا عبدا لرحمن شكري وإبراهيم عبدا لقادر المازني وعبّاس العقاد وظلّ كُتابنا فى مقالاتهم يناهضون المستعمر

الغاشم وينازلونه، ولا أبالغ إذا قلت إنّ أقوى قوّة حاربنا بها الاستعمار فى أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن هي أقلام كتابنا

من أمثال عبدالله نديم ومصطفى كامل ومحمّد فريد وإضرابهم فقد جسموا بؤسنا السياسي الإجتماعى، واتّخذ محمّد المويلحي من

أسلوب المقامات القديم إطارا لكتابه حديث عيسى بن هشام مصوّرا فيه أحوال مصر البائسة في أوائل القرن تصويرا رائعا وظهرت

القصة بمعناها الفني الدّقيق، و يعرف القارئ عن قصّة زينب لمحمّد حسين هيكل وقد كتبها في أوائل العقد الثاني من هذا القرن، و

ثُرنا على المستعمرين الغاصبين في سنة 1919 م وسجل هذه الثّورة توفيق الحكيم قصصا بديعا في «عودة الروح» و نزل إلى

ميدان الصحافة والكفاح السياسي اليومي هيكل والمازنى والعقّاد، ومازالوا يصلون الانجليز نارا حامية من أقلامهم وكتاباتهم

وغيرهم كثيرون اشتركوا معهم فى هذا الكفاح العظيم.(12)

ومعنى ذلك أن أدبنا رغم بروز العناصر التقليديّة فيه لم ينفصل عن حياتنا جملة فى القديم والحديث وأن كثيرا من الأدباء كانوا

يعدون أنفسهم مسئوولين أمام الضمير الشعبي، فهم يصدرون عنه فيما ينظمون ويكتبون وما نقوله عن مصر يجري على غيرها من

البلاد العربيّة؛ فليس هناك أدب فى عصرنا لبلد عربي يعتزل حياة أهله ويعيش وراء قضبان الحياة الفردية الذاتية الخالصة (13
تابع
أكمل المذكرة

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 10721


خدمات المحتوى


د. عائشة يحيى الحكمي
تقييم
1.58/10 (7 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.