في
الخميس 29 محرم 1439 / 19 أكتوبر 2017

جديد الأخبار


06-11-1430 08:08 AM

مفهوم التمثيل السردي

د.عبد الله إبراهيم

يدور حديث مسهب في النقد العربي الحديث حول مفهوم >التمثيل< وبخاصة في الدراسات السردية حيث يقوم السرد بمهمة تمثيل المرجعيات التاريخية والاجتماعية والدينية، ومع هذا التوسع في استخدام المصطلح فمازال الغموض يخيم عليه، ويكتنفه لا يخفى لدى كثير من النقاد، إذ يعزل عن سياقاته اللغوية والثقافية، ويقع استخدامه بطريقة عشوائية لا تراعي حدود المفهوم، ولا فاعليته في المضمار الحاضن له· ويقود كل هذا إلى فوضى اصطلاحية، ومن أجل أن ترتسم حدود مفهوم >التمثيل< ووظيفته في السرديات، فينبغي الاهتمام بأصوله اللسانية· فتلك الأصول تكشف قدرته في الاندراج ضمن الدراسات السردية التي يعد فيها مفهوم التمثيل مفهوماً مركزياً يتصل بوظيفة السرد·

يرتبط التمثيل بطبيعة العلاقة بين الدال والمدلول، وإنتاج العلامة، تلك العلاقة التي استأثرت باهتمام بالغ من لدن نخبة من الباحثين المتخصصين، فقد سبر غورها على نحو بارع اللغوي والمنطقي >شارلز بيرس< في وقت مبكر خلال القرن التاسع عشر، قبل أن يغنيها عالم اللغويات >دي سوسيسر< ويثريها فيما بعد اللسانيون اللاحقون، ففي أوراق تعود ل >بيرس< ورد تعريفه للعلامة بأنها شيء ينتج فكرة ما، فتكون العلامة في موقع مقابل للفكرة المنتجة· وهذا الاستنتاج بحد ذاته لا ينطوي على شيء جديد، فهو معروف في الدراسات اللغوية السابقة، إنما تترتب عليه أشياء جديدة تجعل تعريف >بيرس< للعلامة أساساً للسيميائية كما ذهب إلى ذلك معظم المتخصصين في الدراسات الدلالية، ومنها أن >بيرس< شدد في تلك الأوراق على أنَّ موضوع العلامة هو كل ما تنقله، أما مدلولها فهو كل ما تعبّر عنه، وبذلك فرّق بين العلامة من جهة وموضوعها وتعبيرها من جهة ثانية، وفرّق من جهة ثالثة بين الركنين الأخيرين، فموضوع العلامة ليس مدلولها· وبما أنَّ العلامة مُعدّة لتخلق في ذهن المتلقي علامة أخرى معادلة للموضوع أو أكثر اتساعاً أو ضيقاً منه، فإنَّ >بيرس< اصطلح على هذه العلامة الجديدة ب >تعبير العلامة الأولى<·

وهذا التعبير الذي هو علامة تحل بديلاً عن موضوعها الخاص، لا يمكن لها أن تقوم بتمثيل كامل لكل العلاقات الخاصة بها، بل إنها تؤثر الرجوع والإحالة على فكرة ذلك الموضوع، وقد اصطلح عليها >أساس التمثيل< وهذا يعني أنَّ التغيير لم يعد فكرة، إنما صار علاقة ثانية، وإن كانت هنالك فكرة، فهي فكرة العلامة الثانية، أي فكرة التعبير الناتجة من العلامة الأولى، وفي هذه الحالة يلزم أن تتوفر علامة لهذه الفكرة، فهذه الفكرة اختزلت كل الصفات التي ينطوي عليها الموضوع المعطى، لأنه موضوع مفكّر به، وليس الموضوع الخارجي الذي مثلته العلامة الأولى·

استرعى هذا الموضوع اهتمام >أمبرتو إيكو< فقال بأنه لا شيء يحمل على الاعتقاد بأن >بيرس< كان يعني ب >الموضوع< شيئاً ملموساً بالمعنى الذي أعطاه >أوغدن< و>ريتشاردز< ل >المرجع< في مثلثهما الشهير الذي ورد ذكره في كتابهما >معنى المعنى< لا بسبب أنه ظل يثبت استحالة تحديد أشياء ملموسة عبر اللغة، بل لأن ذلك يتم لعبارات بعينها، تعبّر مباشرة عن موضوعها· وتتوافق فكرة >بيرس< في مضمونها مع فكرة >دي سويسر< التي ظهرت أيضاً في تلك الفترة تقريباً، وهي تؤكد أن العلامة لا تحيل مباشرة على المرجع، إنما على الأفكار المتصلة به، فيظهر من ذلك أنَّ كل تعبير تلزمه علامة، بل هو بذاته علامة دالة على فكرة مستدرجة من ذلك التعبير، ووسط هذه العلاقات المتعاقبة، يتبين أن التمثيل لا يقوم إلا بوظيفة التعبير المتواصل، إذ ينتج كل تعبير فكرة عما يقوم بتمثيله، وهو ما أشار إليه >بيرس< من أن موضوع التمثيل لا يسعه أن يكون سوى تمثيل يكون تمثيله الأول تعبيراً، فسلسلة من التمثيلات لا نهاية لها، وكل منهما يمثل ما وراءه، إذ لا تجد مدلولاً آخرا للتمثيل سوى التمثيل·

وقد استخلص إيكو النتيجة الآتية من تصورات >بيرس<، وهي نتيجة تدعم فكرته التأويلية للنصوص الأدبية، ف >بيرس< إذ راح يصوغ صورة سيميائية، يحيل فيها كل تمثيل على تمثيل موال، كشف عن واقعيته المتصلة بالقرون الوسطى، فهو لم يفلح في تبيان: كيف أنَّ علامة يمكن أن تكون موضع إحالة على موضوع؟ أضف إلى ذلك أنَّ علاقة دلالة ملموسة قد تتيه في شبكة لا متناهية من العلامات التي تحيل على علامات كثيرة، في عالم محدود إلا أنه يفيض إلى ما لا حد له، بالمظاهر السيميائية الطيفية·

لم يكن توظيف الفكرة، بدرجة فاعلة، في موضوع تمثيل النصوص السردية لمرجعياتها، فاستناداً إلى هذا التصور، تقوم تلك النصوص بتمثيل المرجعيات على وفق درجات متعاقبة في إيحاءاتها، فكلما أنتجت علامة، أصبحت بدورها حافزاً لإنتاج علامة أخرى، ضمن نسق آخر· لا يتحدد التمثيل بسطح النص السردي، إنما يتخطاه إلى إعادة تشكيل متنوعة، وذات مستويات متعددة، للعوالم والمرجعيات الثقافية بما يمكن اعتباره تشكيل نصية لها، يتم فيه تجاوز الوقائع والأحداث إلى تمثيل دلالاتها العامة، والعلامات الدالة في تلك النصوص تتضافر من أجل خلق عوالم نصية متخيلة، تناظر عبر عملية التمثيل التي بيناها العوالم المرجعية·

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1460


خدمات المحتوى


منقول / صحيفة الرياض 6 / 6 / 1430
تقييم
1.00/10 (1 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.